بالوثائق العبرية.. خبير الشئون الإسرائيلية يتصدى لتفسير «الثالوث المحرم»

كتب: أحمد عاطف

بالوثائق العبرية.. خبير الشئون الإسرائيلية يتصدى لتفسير «الثالوث المحرم»

بالوثائق العبرية.. خبير الشئون الإسرائيلية يتصدى لتفسير «الثالوث المحرم»

يغوص كتاب «إسرائيل.. السحر والدين والدم» في منطقة لا يحب العقل المعاصر الاقتراب منها؛ تتقاطع فيها الأسطورة مع التاريخ، والدين مع السياسة، والعلم مع السحر. نظراً لأن كل محاولة لفهم إسرائيل بمعزل عن هذه الثلاثية: السحر، الدين، الدم، ستظل قاصرة، وعاجزة عن تفسير كيف نشأت هذه الدولة، وكيف صمدت، وكيف استطاعت أن تخضع الوعي العالمي لمنطقها الخاص.

لم يبدأ الدكتور محمد عبود، خبير الشئون الإسرائيلية ومدرس اللغة العبرية والدراسات الإسرائيلية بجامعة عين شمس، هذا المشروع بدافع أيديولوجي، ولا رغبة في الهجوم، بل بدافع الفضول المعرفي، وبحثاً عن إجابة عن مجموعة من التساؤلات، أهمها: كيف استطاعت إسرائيل أن تبني وجودها على نصوص عمرها آلاف السنين، وأن تحول الحروف العبرية القديمة إلى منظومة سياسية وعسكرية واقتصادية حديثة؟ وكيف يمكن لدولة تقدم نفسها للعالم كقوة علمية متقدمة أن تظل أسيرة أساطير تتحدث عن الجن والشياطين والأرواح والملائكة والطاقة الإلهية المنبعثة من الحروف والأسفار والكتب اليهودية القديمة؟!

و«عبود» باحث أكاديمي، مترجم، وخبير في الشئون الإسرائيلية، شارك في مشروع قومي لترجمة الوثائق الإسرائيلية الخاصة بحرب أكتوبر ضمن أعمال لجنة أجرانات المنشورة عن المركز القومي للترجمة، وله إسهامات بحثية وأدبية ونقدية عديدة، وكتب مهمة، منها: التمرد على الصهيونية في الأدب الإسرائيلي المعاصر.

.

يقول المؤلف في مقدمة كتابه إن فهم إسرائيل لا يتحقق من خلال دراسة مؤسساتها السياسية أو تقاريرها العسكرية فقط، بل من خلال الغوص في وعيها الباطن، في النصوص التي تربت عليها الأجيال، في الحروف التي تُدرس في مدارسها ومعاهدها الدينية والتلمودية، في اللغة التي تصنع وعيها الجمعي. فهناك ما يشبه «المحرك الغيبي» الذي يدفع هذا الكيان منذ نشأته، محرك لا يُرى، لكنه يحرك التاريخ كما تحرك اليد الخفية رقعة الشطرنج.

يبدأ الكتاب رحلته بالفصل الأول في دروب ما يعرف بـ«التصوف اليهودي»، أو بالعلوم الباطنية اليهودية الشهيرة باسم «القبّالة» التي كانت في البداية تراثاً صوفياً محجوباً عن العامة، يقتصر على قلة من «الناضجين روحياً»، وبقيت الجماهير اليهودية محرومة من ولوج هذا الباب الغامض. وكان الحاخامات يرون أن كشف السر لغير أهله أشبه بإعطاء شعلة نار لطفل، قد تحرقه بدلاً من أن تنير قلبه.

بمرور السنين، انكشفت الأسرار. ولم تعد القبّالة علماً باطنياً في قلب حاخام مسنّ. يكفي أن تكتب الكلمة على محرك بحث حتى تنهال عليك الفيديوهات القصيرة والوصفات السحرية القديمة، ويطل عليك حاخامات يستخدمون أسماء الذات الإلهية ورموزاً دينية وحروفاً عبرية، ويستدعون قوى خفية: ملائكة وجن وشياطين، للتلاعب بمصائر الناس!

في الفصل الأول تبدأ الرحلة من أسرار الحروف العبرية، وكيف يستخدم الحاخامات علم الحروف والأرقام في ممارسات دينية وصوفية، ويسيطرون بها على عقول المؤمنين بالقبالاه في إسرائيل وخارج إسرائيل. وينطلق الباحث الدكتور محمد عبود في قراءة للنصوص الصوفية اليهودية بلغتها الأصلية، وفي كتبها وأسفارها السرية. ويفتح أمامنا أبواباً لفهم عالم الأساطير الدينية وقصص السحر التي بدأت مع موسى عليه السلام كمعجزات دينية، ثم تحولت في كتب التلمود والفترة المعاصرة إلى ممارسة سحرية مباشرة تصل إلى حد ترويج الحاخامات أنهم يستخدمون القوى الغيبية في اغتيال خصومهم، بدءاً من الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي زعم الحاخامات أنهم أجروا طقوساً سحرية سوداء من أجل إصابته بالمرض المميت ثم وفاته الغامضة، وصولاً إلى معاقبة رؤساء وزراء صهاينة لأنهم شذوا عن وصايا الحاخامات وأوامرهم ونواهيهم.

أما في الفصل الثاني بعنوان: الدين.. دماء على صفحات التوراة، فيأخذ الكتاب القارئ في رحلة شيقة بين أسفار التوراة اليهودية، بدءاً من سفر التكوين وحتى آخر آسفارها. قبل أن يعرفنا بالمذاهب الدينية في إسرائيل المعاصرة، وحجم الخلافات بين التيارات والجماعات الدينية المختلفة، والموقف العدائي الذي تتبناه هذه الجماعات من المسلمين والمسيحيين. ومخطط هذه الجماعات الدينية للسيطرة على الجيش الإسرائيلي، وتحويله إلى جيش يأتمر بأوامر الحاخامات.

الفصل الثالث والأخير: «السابع من أكتوبر بحور الدم» هو قمة الهرم في هذا الكتاب، حيث ينقلنا الكاتب إلى العلاقة الوثيقة بين الممارسات الصوفية اليهودية والممارسات الدينية الرسمية، وعلاقتها بالحرب العدوانية بعد السابع من أكتوبر.

في هذا الفصل يكشف «عبود» بالوثائق كيف ضرب الفساد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، بدءاً من جهاز الشاباك، وصولاً لجهاز المخابرات الحربية (أمان) الذي استقال رئيسه نتيجة فضيحة جنسية منعته من أداء مهمته ليلة السابع من أكتوبر. يقول عبود في الفصل الثالث: «في فندق فاخر بمدينة إيلات، كان اللواء أهارون حليفا، رئيس الاستخبارات الحربية الإسرائيلية المعروفة باسم «أمان»، يطفئ أنوار غرفته الفندقية الفاخرة، تاركاً هاتفه يهتز في صمت قاتل. إلى جواره كانت عشيقته «كيرين بيلس»، المطربة الشقراء التي خطفت عقل الجنرال الحديدي، تهمس له بكلمات ناعمة وهو يدفن وجهه في وسادة من الغواية.

في تلك الليلة، ليلة السادس من أكتوبر، دوى أول جرس إنذار في غرفة العمليات في تل أبيب: تحركات غير عادية لعناصر «حماس»، خطوط هواتف جوالة سرية فُتحت لآلاف المقاتلين، تحذير عاجل يستدعي اليقظة القصوى. لكن الجنرال العاشق شد الغطاء على جسده المرهق، وأدار ظهره للهاتف.. ونام نوماً عميقاً».

ويؤكد المؤلف أن إسرائيل أشبه بظاهرة مزدوجة، فهي من جهة، دولة نووية متقدمة في التكنولوجيا والعلوم، ومن جهة أخرى، مجتمع يعيش تحت تأثير نصوص قديمة وعقلية كهنوتية تحكمها أحكام الطهارة والنجاسة، والبركة واللعنة، والنور والظلام. هذا التناقض يخلق أزمة الدولة التي ترتدي ثياب التقدم والحداثة، وفي الوقت نفسه، تخضع لفتاوى حاخامات يقررون مصير الحرب والسلام بناء على رؤى توراتية غيبية.