عندما يتحول النقص إلى أيديولوجية

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

في كل مجتمع، توجد زاوية مظلمة، تقبع فيها فئة من الناس غريبة الأطوار، لا ترفع حجراً في بناء، ولا تزرع بذرة لتحصد، ولا تحرك قلماً لتخط فكرة، لكنها تثبت حدقات عيونها للتربص بكل من يفعل ذلك، هؤلاء هم «الذين لا يعملون، ويؤذي نفوسَهم أن يعمل الناس»، كما وصفهم بعبقرية لاذعة عميد الأدب العربي، طه حسين، عندما أهدى كتابه «مع أبي العلاء في سجنه» إليهم.
جملة قصيرة، لكنها جامعة مانعة، كانت كفيلة بأن تفتح أبواباً واسعة على عالم كامل من السلوك الإنساني «اللزج»، عالم لا يقوم على الفعل، وإنما على مراقبة أفعال الآخرين، ولا يعرف الجهد، ولا يُنتج شيئاً، لكنه خبير في تقييم إنتاج غيره من الناس.
هؤلاء لا يعملون، ليس لأنهم عاجزون جسدياً، أو أن ظروفهم قست عليهم، بل لأنهم -ببساطة- اختاروا مقاعد المتفرجين والمشكلة لا تبدأ من جلوسهم، وإنما في نظرتهم لمن يعمل، فهو -كما يرونه- ليس نموذجاً يُحتذى، بل تهمة متحركة، ومرآة كاشفة وجارحة، تذكرهم كل لحظة بما لم يفعلوه، وبما لن يفعلوه غالباً.
كتب عميد الأدب العربي جملته الخالدة، وكأنه يقول لهؤلاء ساخراً: إليكم كتاباً عن «المعري» أُغلق عليه سجن الجسد، ففتح أبواب الفكر على مصاريعها، وأنتم، رغم أجسادكم الحرة، تسجنون أنفسكم وتريدون أن تسجنوا معكم كلّ من يتحرك.
لفت طه حسين لظاهرة اجتماعية خبيثة، فهؤلاء «الذين لا يعملون» ليسوا كالكسالى البسطاء الذين ينامون في الظل راضين بحالهم، لكنهم مرضى، ومرضهم أخطر مما نتصور، فمهمتهم في الحياة ليست العطاء، بل التلصص على العطاء. يراقبون، يحسبون، يقيمون، ثم يستخلصون النتائج المسمومة ويتساءلون: لماذا يعملون ونحن لا نعمل؟، ولماذا ينجحون ونحن لا ننجح؟، والإجابة لديهم لا تكون بالطبع بالنهوض، أو اللحاق بمن سبقوهم، ولكن بعرقلة وتخريب مسيرتهم، ونفي قيمة العمل نفسه، وتسميم جوهره.
ومن هنا، يولد ذلك الكائن العاجز العجيب، الذي لا يعمل، ويكتفي بالإشارة إلى ما يجب عمله، لا يكتب سطراً، ويحسب نفسه ناقداً أدبياً بالفطرة، لم يخض معركة واحدة في حياته، لكنه خبير استراتيجي.
لم ينتج فكرة، لكنه يعرف فوراً لماذا فشلت أفكار غيره.في عالم السياسية، يقف هؤلاء دوماً على الهامش، يراقبون كل خطوة، ويحصون كل زلة، ويطالبون بالكمال من بشر يعملون في واقع معقد.
السياسي الذي يعمل، في نظرهم، إما هو خائن أو فاشل أو انتهازي، أما الذي لا يعمل، فإنه يشبههم، ولا يزعجهم بداهة.
وفي الوسط الثقافي، تتجلى المأساة بشكل أكثر سخرية، الكاتب يرمونه بالادعاء، والمثقف الذي ينتج يشككون في نواياه، والفنان الذي يجرب يحاكمونه بتهمة التخريب، هؤلاء يكرهون الحركة لأنها تفضح السكون، أما الذي لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يغامر، فيعيش مرتاح الضمير، لأن صمته لا يفضحه، وفراغه لا يقارن بشيء أمامه.
وفي ميادين الإنتاج على أنواعها، فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى شرح، فالعامل الذي يخطئ ويتعلم، ويصيب ويتقدم، لا ينجو من نظرات الحقد الصامت.
الخطر الحقيقي حين يصبح العاجز عن الفعل صانعاً للرأي، وعندما يتحول العاجز عن الإنتاج إلى معيار للحكم على المنتجين، ومعه تبدأ المجتمعات في التعثر، لا بسبب نقص الطاقات، بل بسبب ارتفاع أصوات المحبطين.
الإحساس بالنقص، هنا، ليس شعوراً بريئاً. إنه يتحول سريعاً إلى عداء. عداء للعمل، وعداء للنجاح، وعداء لأي محاولة للخروج من القطيع.
هنا، يصبح التشكيك أسهل من المشاركة، والسخرية أسهل من المحاولة، والهدم اللفظي بديلاً رخيصاً عن البناء الحقيقي.
الخطير في ظاهرة «الذين لا يعملون» أنهم لا يكتفون بالمراقبة السلبية، فشعور النقص الذي يولد في أحشائهم، والذي أشار إليه طه حسين، يتحول إلى غيرة، ثم إلى حقد، وأخيراً إلى أيديولوجية للتخريب.
المؤكد أن المجتمعات لا تنهار حين يخطئ العاملون، ولكن حين يسيطر على المشهد مَن لا يعملون، حين يصبح الصوت الأعلى لمن لم يجرب، والحكم النهائي لمن لم يخاطر، وعندها، يتحول العمل إلى تهمة، والنجاح إلى استفزاز، والإنجاز إلى عبء نفسي على الكسالى.
أهمية مقولة طه حسين، ليس في ترديدها، بل في فهمها، وأن يتحرر المجتمع من لعنة هؤلاء، ليس بإسكاتهم -فهذا مستحيل- وإنما بالمزيد من العمل الجاد، وبإعلاء صوتهِ على همساتهم، وهذا هو الرد الأبلغ على كل من يؤذي نفسه أن يعمل الناس، وهو الطريقة الوحيدة لتركهم في سجنهم النفسي، ونتحرر نحن، كأبي العلاء المعري.