محمود الجارحي يكتب: رسالة ضحى الأخيرة.. سيدي المحقق.. شاهدتُ جثماني داخل حقيبة

كتب: editor

محمود الجارحي يكتب: رسالة ضحى الأخيرة.. سيدي المحقق.. شاهدتُ جثماني داخل حقيبة

محمود الجارحي يكتب: رسالة ضحى الأخيرة.. سيدي المحقق.. شاهدتُ جثماني داخل حقيبة

سيدي المحقق.. أعلم أن المتهم بقتلي يقف أمامك الآن.. وأعلم أنك شاهدت الأدلة.. وسمعت الاعترافات.. ورأيت الصور.. ووقفت طويلًا أمام حقيبة سفر لم تكن تعلم أنها تحمل قصة إنسانة كاملة.. قبل أن تُغلق الملف.. وقبل أن تتحول الحكاية إلى أرقام ومحاضر.. هل تسمح لي بالكلام؟
أنا ضحى.. الفتاة التي خرجت من حقيبة سفر ملقاة على رصيف في منطقة الأزاريطة.. بمحافظة الإسكندرية.. والجثمان الذي التف حوله المارة في ذهول.. والقصة التي بدأت كبلاغ عابر وانتهت بجريمة مكتملة الأركان.. ربما رأيتني جثة.. لكن قبل ذلك كنت إنسانة، بنت عندها 33 سنة.. من قرية بسيطة في الفيوم.. عاشت عمرها كله تحاول تفهم ليه الدنيا قاسية.. كنت مختلفة شوية..مش عيب.. لكنه في بيتنا تحول إلى عقاب يومي.. أمي وحدها كانت الأمان.. كانت الحضن اللي يحوشني من الوجع.. والصوت اللي يقول لي دايمًا: «إنتي حلوة زي ما إنتي».. ولما أمي ماتت.. مات معاها كل شيء حلو.. وبقيت لوحدي في مواجهة عالم ما بيرحمش.

سيدي المحقق.. بعد رحيل أمي بقيت حمل تقيل.. وإهانة وتفرقة واضحة.. كنت أستحمل وأصمت.. وأقول يمكن ربنا شايف.. ويمكن الصبر يفتح باب.. إخواتي اتجوزوا.. والبيت فاضي.. وفضلت أنا مع أب ما كانش شايف فيّ غير عيب وعبء.. قررت أمشي.. لا طمعًا في مال.. ولا هروبًا من فقر.. لكن بحثًا عن حياة آدمية.. نزلت القاهرة.. نمت في الشارع، ولبست نقاب أستخبى من القسوة ونظرات الناس.. وفي لحظة إنقاذ حد شافني.. ومدّ لي إيده .. دار اسمها «زهرة مصر».. ناس طيبين قالوا لي:«إنتي في أمان».. وحسّوني للمرة الأولى إني إنسانة.

سيدي المحقق.. هناك اتعاملت بإنسانية.. تعالجت.. ضحكت.. وبكيت.. وحاولوا يرجعوني لأهلي… طلعوا في برامج، واتصلوا بأبويا وبإخواتي.. وأنا كنت بعيط قدام الكاميرات وأقول:«وحشتوني.. نفسي أشوفكم».. لكن الصمت كان الرد.. وأبويا قالها ببرود: «مش عايزها».

سيدي المحقق.. رجعت له غصب عني.. أربعة شهور قسوة.. لحد يوم 31 يناير.. اليوم اللي اتطردت فيه من البيت من غير مأوى.. ركبت القطر.. ونزلت إسكندرية.. وكنت فاكرة إن المدينة يمكن تكون أحن.. أو إن البحر يمكن يغسل شوية وجع.. وهناك قابلت المتهم.. قال لي: «أنا أمان».. وقال لي: «هتجوزك»… صدقته لأني كنت محتاجة أصدق أي حد.. دخلت شقته باحثة عن استقرار.. نمت.. وصحيت على سرقة.. فلوسي.. 8200 جنيه.. ولما واجهته.. ولما هددته إني أتكلم. قرر يخلص مني.

سيدي المحقق.. المتهم قتلني بطريقة وحشية.. خنقني بمخدة.. وكتم أنفاسي.. حاولت الاستغاثة.. تحركت.. حاولت أهرب.. كنت أتألم وأصرخ وأحاول.. أحاول أن أعيش.. لكن ثوانٍ قليلة كانت كافية لينتهي كل شيء.. وتسكن حركتي.. وتنطفئ حياتي إلى الأبد.. بعدها اشترى شنطة سفر.. وضع جسدي بداخلها، استقل سيارة أجرة.. وألقى بي في الشارع.. كأنني شيء زائد عن الحاجة.. أنت شفت الحقيبة.. فتحتها.. وشفتني.. الناس بلّغت، الشرطة وصلت.. الكاميرات اتراجعت.. والجريمة انكشفت.. وهو اعترف بكل شيء.. يقولون إن مصيره الإعدام.. لأن الجريمة قتل مقترن بالسرقة.. وربما العدالة تأخذ وقتها على الأرض.

سيدي المحقق.. أنا.. فقد سبقتكم إلى مكان أهدى.. أرقد الآن بجوار أمي.. في حماية رب العالمين.
سيدي المحقق… أنا لا أطلب شيئًا.. غير أن تُحكى قصتي كما هي.. لعل بنتًا أخرى تقرأها.. وتلحق تعيش.. قبل أن تتحول هي أيضًا إلى حقيبة على رصيف.
سيدى المحقق.. أنا ضحى.. بنت ماتت وهي بتدور على حياة آدمية.

77