عودة الندلة.. واعتزال عبلة كامل!
يقول الخبر العابر الذي سرعان ما تداولته المواقع ووسائل التواصل إن عبلة كامل ستفاجئ جمهورها وتعود إلى الظهور في رمضان، وقد فرحت بالعنوان ودخلت أقرأ التفاصيل، فعرفت أن الممثلة الكبيرة التي قررت الاعتزال منذ ثماني سنوات تقريباً قررت أن تفاجئ جمهورها بالظهور في إعلان جماعي (يشارك فيه عدد من النجوم)، وربما لا يختلف كثيراً عن إعلان المنظفات المنزلية الذي قامت به منذ سنوات.
بصراحة لم أفهم سر العودة، كما لم أفهم سر الاعتزال من قبل، ولا الكثير من قرارات واختيارات عبلة كامل خلال مسيرتها الفنية.
وأقول ذلك كواحد من أقدم المعجبين بموهبتها الفذة، منذ أن شاهدتها على المسرح في عرض «داير داير»، أحد إبداعات فرقة الورشة التي أسسها حسن الجريتلي، منذ أربعين عاماً تقريباً.
وكان كل من يشاهدها تمثل وقتها يقر بأن لديها حضوراً طاغياً ويتوقع لها مستقبلاً مبهراً.
ومثل الشهاب المحترق، شقت عبلة كامل طريقها في أعمال تليفزيونية مثل «الشهد والدموع» و«ليالي الحلمية» وسينمائية مثل «يوم مر يوم حلو»، و«سيداتي سادتي» ومسرحية «وجهة نظر» التي كشفت فيها عن قدراتها الكوميدية.
ولكن هذه الموهبة وتلك القدرات ظلت مقيدة بظروف وشروط الإنتاج وبقلة الأعمال المتميزة التي تتيح للممثلين أن يمنحوا أنفسهم للشخصية بلا حدود.
لم يتح لعبلة كامل أن تلعب الشخصية الرئيسية (أو البطولة كما يقولون) إلا بعد أن تجاوزت الأربعين وكان ذلك مصادفة عقب تألقها في دور «خالتي فرنسا» أم اللمبي في الفيلم الذي يحمل اسمه، 2002، ولما كانت هذه الفترة الضاحكة المضحكة من تاريخنا تتسم بإعطاء البطولات لأي ممثل كوميدي، فقد سنحت الفرصة أخيراً لعبلة كامل أن تقوم بالبطولة في أعمال مثل: «خالتي فرنسا» و«بلطية العايمة» و«عودة الندلة».
ولكن فترة التألق هذه سرعان ما خبت مع خفوت واختفاء موجة المضحكين الجدد، الذين راحوا يتساقطون واحداً تلو الآخر.
خلال السنوات التي سبقت إعلان اعتزالها لم يتح لعبلة كامل سوى بعض الأدوار الريفية في أعمال تليفزيونية دموية المزاج، مثل «أفراح إبليس» وخماسية «سلسال الدم»، ربما تكون هي السبب في إصابتها بالاكتئاب وكراهية التمثيل، لأنه، في تصوري، ما من سبب منطقي آخر يدعوها إلى الاعتزال وهذه الهيئة الريفية التي أصبحت تبدو عليها.
أعرف أن عبلة كامل، رغم موهبتها الكبيرة، لم ترع هذه الموهبة بالثقافة وتكوين وجهة نظر أو السعي وراء أعمال وشخصيات تتيح لها التنوع والتجدد واكتشاف مناطق غير مأهولة في أدائها، حتى إنه بات من المحزن رؤية أدائها المتخشب المتكرر في العقدين الأخيرين.
وأعرف أن الذنب بالأساس يقع على صناعتي السينما والدراما في مصر، اللتين تخشيان من المغامرة والتجريب وفتح أبواب غير مطروقة، ما نتج عنه بالتالي تراجع فن التمثيل ودفن مواهب الكثير من الموهوبين.
ولكن عبلة كامل، في الحقيقة، قد اختارت الابتعاد في الوقت الخطأ، ذلك أن صناعة الدراما خلال السنوات العشر الماضية قد شهدت ازدهاراً وتطورات غير مسبوقة، ورغم كل الملاحظات عليها، فإنها شهدت تنوعاً ملحوظاً في الأفكار والموضوعات والشخصيات والأساليب والأنواع الفنية، وكان يمكن لعبلة كامل، في تصوري، أن تغير جلدها وتجدد أدوارها وأداءها كما حدث للكثيرات والكثيرين من ممثلي جيلها والجيل التالي لهم.
اعتزلت عبلة كامل قبل الأوان لأسباب غامضة، أو صحية، شخصية، لا نعلمها، وقد خسرت بهذا الغياب، كما خسرت الدراما والسينما بفقدان موهبة كبيرة مثلها.
ولكن ها هي تعود بعد سنوات طويلة بإعلان، ربما من أجل المال وكسب العيش، ولكنها، مثل الاعتزال، عودة في غير محلها، وكان الأفضل أن تعود بدور جديد يليق باسمها.