ما زلت عند رأيي بأن أمريكا لن تشن حرباً شاملة على إيران، رغم الحشود العسكرية، المتمثلة في حاملة الطائرات الأكبر في العالم وما يصاحبها من أسطول بحري في بحر العرب.
جنرالات أمريكا نصحوا الرئيس ترامب بعدم خوض حرب شاملة، كل القادة العرب وعلى رأسهم السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي نصحوا ترامب بعدم شن الحرب على إيران، حتى لا تشتعل المنطقة، وكذلك قادة أوروبا لم يوافقوا على شن هذه الحرب بدليل أن الناتو لم يكن له حشود ضمن خطة الحرب الأمريكية، والواضح أن كل دول العالم لا يريدون نشوب هذه الحرب الكارثية التي ستخسر فيها كل الأطراف المشاركة، وغير المشاركة لأنها ستصاب بشظايا هذه الحرب، ولم أرَ توافقاً عالمياً على رأي مثلما جرى تجاه هذه الحرب التي ستأتي على الأخضر واليابس وستؤثر سلبياً على حركة التجارة العالمية وستتسبب في رفع أسعار السلع، بعد توقف مرور سلاسل الإمداد عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز، فضلاً عن الخسائر البشرية التي ستخلفها هذه الحرب.
بدت في الأفق بوادر انفراجة في الأزمة، وتراجع نسبي في تصريحات ترامب، وتخليه عن تشدده في مطالبته بتغيير «النظام» الإيراني والاكتفاء بتغيير «سلوك النظام».
ولاقى هذا التغير ارتياحاً نسبياً في المنطقة والعالم، باستثناء إسرائيل التي تريد شن الحرب، والقضاء على النظام الإيراني وتدمير قدراته العسكرية نهائياً، لأن التفوق العسكري وبخاصة الصاروخي يهدد أمنها، ولم تفلح الزيارات المكوكية التي يقوم بها نتنياهو لواشنطن في استفزاز ترامب لشن الحرب، بدلاً من اللجوء للحوار والمفاوضات.
وأمام موقف ترامب قام الموساد بالاشتراك مع اللوبي اليهودي في أمريكا بتفجير قضية «إبستين» من جديد وتسريب صور ومقاطع فيديو لترامب أثناء وجوده في حفلات ماجنة في جزيرة إبستين، وتحريك هذه القضية داخل أروقة وزارة العدل ولجان التحقيق في الكونجرس لمحاسبة ترامب، أو بمعنى أدق للضغط عليه وإجباره على شن الحرب.
ولكن لماذا تخاف إسرائيل من إيران رغم أن المسافة بينهما تزيد على 1600 كيلومتر، وطهران لا تمتلك أسطولاً جوياً حربياً يمكن أن يطول تل أبيب؟ الإجابة: لأنها تخاف من الصواريخ فرط الصوتية التي تمتلكها، والتي لا تستطيع تل أبيب صدها أو ردها بكل وسائلها الدفاعية، وإذا كانت هذه الصواريخ لم تؤثر فيها خلال حرب الـ12 يوماً التي شنتها بمساعدة أمريكا في شهر يونيو الماضي، فإن هذه المرة ستكون مختلفة لأنها كما ذكرت في مقال الأسبوع الماضي ستكون حرب وجود بالنسبة لطهران، ويمكن أن تقوم بضربات موجعة لإسرائيل تسقط سطوتها.
الأمر الثاني الذي تخشاه إسرائيل هو أن تمتلك إيران قنبلة نووية إذا استمرت وتيرة تخصيب اليورانيوم كما هي عليه الآن، ولا تصبح هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك هذا السلاح الذي تهدد به الدول العربية والإسلامية.
الأمر الثالث هو استمرار تمويل إيران للحوثيين وحزب الله اللذين يمثلان شوكة في ظهر إسرائيل.
وهذه الأمور الثلاثة هي محور شروط ترامب، إذاً فليس هناك أي تهديد إيراني على أمريكا ولا مصالحها، فالنظام الإيراني يعرف سقف تعامله مع الولايات المتحدة جيداً ولا يتعداه ولا يريد.
وبعد نجاح جلسة المفاوضات الأولى بين واشنطن وطهران في مسقط، فإن الأمور تزداد تعقيداً لدى نتنياهو، الذي لا يريد إلا خيار الحرب، فالتهدئة والتوصل إلى اتفاق ليس في صالح تل أبيب، ولذا فإن وتيرة فضيحة «إبستين» تتضخم يوماً بعد يوم، وتزداد وتيرة الضغط على الرئيس الأمريكي، ليرضخ للضغوط الإسرائيلية ويشن الحرب، وفي الوقت الذي تنطلق فيه أول طائرة أمريكية من فوق حاملة الطائرات «لنكولن» سيتم إغلاق ملف «إبستين» أو على الأقل في الملف الذي يتعلق بترامب.
ظني أن شخصية ترامب العنيدة لن تجعله يرضخ لهذا الابتزاز اليهودي، أو قد يلجأ إلى صيغة توافقية مع إيران خلال المفاوضات ترضي إسرائيل، أما إذا انتهت المفاوضات وظل الوضع كما هو، دون شن حرب، فإن اللوبي اليهودي سيطيح بترامب.
الأيام القادمة كفيلة بأن تثبت مَن الأقوي.. اللوبي اليهودي أم ترامب.