مصر وتركيا والأردن «محور القوى» الجديد

د. دينا خليل

د. دينا خليل

كاتب صحفي

يجمع هدف حماية الأراضي الفلسطينية بين مصر وتركيا في تعاون استراتيجي فريد من نوعه، لم تكن زيارة الرئيس التركي رجب أردوغان إلى كلٍّ من مصر والأردن حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حيث تعيد المنطقة ترتيب أوراقها السياسية والأمنية في ظل حرب مفتوحة على غزة وتصعيد إسرائيلي بأشكال مختلفة من التهجير والتجويع وخلق استحالة حياة آدمية ليفر الفلسطينيون خارج القطاع، وتمادٍ في سياسات الاحتلال والاستيطان، ومحاولات واضحة لفرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية. تكتسب هذه الزيارة أهميتها من كونها تجمع ثلاث دول محورية في الإقليم، لكل منها وزنها السياسي والجغرافي والتاريخي، لكنها تلتقي اليوم عند هدف استراتيجي واحد: الحفاظ على ما تبقى من الحقوق الفلسطينية ومنع تصفية القضية عبر القوة أو الأمر الواقع.

هذه الزيارة لا يمكن قراءتها خارج سياق إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، ولا باعتبارها مجرد تحسين علاقات ثنائية بعد سنوات من التوتر. ما يجري أعمق من ذلك: إنه تقاطع مصالح صريح واعتراف متبادل بأن الخلافات السابقة، مهما كانت حدّتها، تصبح ثانوية عندما يتحول الخطر إلى تهديد وجودي يمس أمن الدول واستقرارها، فكما قال اللورد بالمرستون «ليس لبريطانيا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، إنما لها مصالح دائمة»!

لطالما استثمرت إسرائيل في الانقسامات الإقليمية العربية وغير العربية واعتبرتها بيئة مثالية لتمرير مشروعها التوسعي، فكلما انشغلت دول المنطقة بصراعاتها البينية تمدد الاستيطان وتآكلت الحقوق الفلسطينية وتراجعت القضية من مركز الاهتمام إلى الهامش. التقارب التركي المصري الأردني يعكس إدراكاً متأخراً، لكنه حاسم، أن استمرار التباعد لم يعد كلفة سياسية محتملة، بل خطر استراتيجي، فمصر تواجه ضغوطاً مباشرة على حدودها مع غزة، وترفض بشكل قاطع أي سيناريو للتهجير القسري. والأردن يرى في أي تفريغ للأراضي الفلسطينية تهديداً مباشراً لتركيبته السكانية وأمنه الوطني، أما تركيا فتدرك أن الصمت الدولي على جرائم الاحتلال يفتح الباب أمام فوضى إقليمية تضرها. إذن فالعدو واحد مهما تعددت التعاملات الدبلوماسية معه!

«الدول لا تتحالف بدافع العاطفة، بل بدافع الخوف والمصلحة المشتركة» كما أكد السياسي الأمريكي هنري كيسنجر (في سياق كتاباته عن توازن القوى)، اللافت في هذا التقارب أن فلسطين لم تعد تُطرح بوصفها قضية تضامن أخلاقي فقط، بل كقضية أمن قومي مشترك. الاحتلال لم يعد نزاعاً سياسياً قابلاً للإدارة، بل مشروع توسعي قائم على فرض الأمر الواقع يضرب بعرض الحائط كل القرارات الدولية، ويُعيد تعريف القوة باعتبارها الوسيلة الوحيدة لانتزاع الحقوق. الاتحاد هنا لا يقوم على انسجام أيديولوجي، بل على توحد الهدف: وقف التمدد الإسرائيلي ومنع فرض حلول قسرية، والحفاظ على ما تبقى من الأرض الفلسطينية من مشروع استيطاني لا يعترف بالسلام ولا بالحدود.

يمتلك هذا التنسيق عناصر قوة حقيقية إذا ما جرى تفعيله. فمصر بثقلها الجغرافي والسياسي تمسك بمفتاح غزة، والأردن بحساسية موقعه مرتبط مباشرة بمصير الضفة الغربية، وتركيا بقدرتها على التحرك الدبلوماسي والتأثير في الساحات الدولية. هذا التلاقي يمنح الدول الثلاث قدرة على الضغط السياسي، وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة النقاش الدولي، بدل تركها رهينة موازين القوة الإسرائيلية!

من منظور علم السياسة لا تُعد هذه التحولات استثناءً، بل قاعدة، فالدول لا تبني تحالفاتها على الذاكرة أو الخصومات السابقة، بل على حسابات الخطر والمصلحة. واتحاد دول سبق أن اختلفت أو تصادمت سياسياً يُعد مؤشراً واضحاً على تشكُّل توازن قوى جديد، هدفه احتواء تهديد مشترك لا يمكن مواجهته بشكل منفرد. وفي هذه الحالة يشكّل هذا التنسيق سلاحاً في وجه التوسع الإسرائيلي الطائش.

تحمل زيارة أردوغان رسالة مباشرة لإسرائيل مفادها أن مرحلة الاستفراد بالفلسطينيين في ظل صمت إقليمي ليست قدراً دائماً. كما توجه رسالة للمجتمع الدولي بأن الاكتفاء ببيانات القلق لم يعد كافياً، وأن تجاهل جذور الصراع سيقود المنطقة إلى الدمار، في المحصلة، تمثل زيارة أردوغان إلى مصر والأردن تحالف ضرورة لا تحالف مجاملات، وتقاطُع مصالح فرضته دماء الفلسطينيين وواقع الاحتلال. ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا التقارب من موقف سياسي إلى جبهة فاعلة قادرة على كبح جشع الاحتلال قبل أن يدفع الإقليم كله ثمن الصمت والتردد.