محمود عزت.. حارس جحر الأفعى
فى صبيحة التاسع والعشرين من أغسطس 2020، اقتحمت الأجهزة الأمنية جحر الأفعى بالتجمع الخامس، حيث كان يختبئ فيه «الصندوق الأسود» لجماعة الإخوان، بعد سبع سنوات عجاف قضاها فى الظلام، قبل أن يقع أخيراً فى قبضة العدالة.
هذا هو حارس المعبد وبئر الأسرار «محمود عزت»، فحين كانت جماعة الإخوان تفقد قياداتها واحداً تلو الآخر، كان حارس المعبد يتحرك فى الظل، بلا صورة وبلا صوت، فقد كان يملك القدرة على الاختفاء والمناورة والتضليل، واستطاع بقدراته التنظيمية والإدارية الإبقاء على التنظيم حياً رغم كل الضربات… فهذا هو محمود عزت.
كيف امتلك هذا الرجل القدرة على إدارة التنظيم، وهو لم يكن فى أى وقت من الأوقات السابقة على 2013 الرجل الأول فى الجماعة؟
فى التنظيمات العقائدية الفاشية ذات الوجه العسكرى، لا يصنع النفوذ من يقف فى الصف الأول، بل من يمسك بالخيوط غير المرئية، وفى جماعة الإخوان كان محمود عزت هو الرجل الذى عرف كيف تُدار الخيوط… لا كيف تُعرض،
فالتنظيمات المغلقة لا تُقاد بالشعارات، بل بالخوف والانضباط وإدارة الولاء، ومن بين كل من مرّوا على جماعة الإخوان بعد مصطفى مشهور، كان محمود عزت هو الأقدر على فهم هذه المعادلة وتطبيقها ببرود شديد.
لم يمتلك محمود عزت يوماً لكاريزما الزعماء، ولا لخطابة الخطباء؛ بل اختار أن يكون «الرجل الذى يمسك الخيوط» ومن هنا تكمن أهميته التاريخية فى كونه «أمين سر» التنظيم لأكثر من عقدين، فقد كان هو الشخص الوحيد الذى يمتلك الخريطة الكاملة للتنظيم: أين تذهب الأموال؟ من هم الكوادر الموثوقون؟ وكيف تُدار الخلايا الكامنة؟ وكيفية إخفاء هوية قسم الصفوة، الذى يضم رموزاً مجتمعية رياضية وفنية ودينية، لقد كان هو «العقل المدبر» لأنه ببساطة يمتلك «المعلومة»، والمعلومة فى عالم التنظيمات السرية هى القوة المطلقة.
فمنذ الثمانينات، تركز دوره فى ملفات الأمن التنظيمى، والعمل السرى، وربط الهياكل الداخلية، وصياغة اللوائح التى تحكم الطاعة والانضباط، من خلال مسئوليته عن قسم التربية أخطر أقسام التنظيم، ففى جماعة تقوم فى جوهرها على التنظيم قبل الفكرة، كان من الطبيعى أن يكون عزت هو مهندس هذا الجوهر.
لهذا، لم يكن غريباً أن يتحول مع الوقت إلى مركز ثقل حقيقى، خصوصاً فى الفترات التى ضعف فيها حضور المرشد العام أو غاب فعلياً عن إدارة التفاصيل، ولذلك لم يكن عزت نائباً تقليدياً، بل كان الضامن لاستمرار البنية الصلبة للجماعة.
فمن الناحية النظرية كان عزت نائباً للمرشد، ولكنه كان من الناحية العملية مرشداً فعلياً غير معلن، فلم يكن مجرد منفذ لسياسات غيره، بل كان هو صاحب القرار، وصاحب الكلمة الحاسمة فى الملفات الأخطر، المتعلقة بالتنظيم، والتمويل، والعلاقات الخارجية. ومع الوقت، تحوّل منصب المرشد نفسه إلى غطاء شرعى للحاكم الفعلى أكثر منه مركز قيادة حقيقى.
وفوق هذا كله كان هو الجسر الذى عبرت عليه أفكار سيد قطب الراديكالية، لتعيش داخل هيكل حسن البنا التنظيمى، فبينما كان يرفع شعارات البنا، كان يطبق منهج قطب فى «العزلة» و«الاستعلاء بالإيمان».
المذهل فى مسيرة «عزت» هو قدرته على إدارة التنظيم بعد عام 2013 من قلب القاهرة. بينما كان الجميع يظن أنه يتنقل بين عواصم الخارج، كان «عزت» يقبع فى شقق سرية، يدير جماعته عبر «الرسائل الورقية» والوسائط المشفرة، وقد استطاع خلال هذه الفترة الحفاظ على بقاء الهيكل التنظيمى من الانهيار التام، مستخدماً «شرعية الداخل»، إذ إن بقاءه فى مصر أعطاه «شرعية المقر»، والمقر شرعية كبيرة عند الإخوان، إذ إن ثقافتهم تمت صياغتها على أساس أن المقر هو الإدارة العليا للجماعة، فظل بهذه الشرعية يسكت معارضيه فى لندن وإسطنبول.
فحين تفجرت الانقسامات بين جبهات الداخل وإسطنبول ولندن، تعامل «عزت» بعقلية تنظيمية تقليدية، تقوم على الإقصاء ونزع الشرعية واعتبار الخلاف خروجاً، ولكى يحافظ على التنظيم رفض الاعتراف بتعدد مراكز القوة، وأصر على مركزية لم تعد ممكنة، فترتب على ذلك تعميق الانشقاق وتآكل التنظيم.
وفى عهده بعد 2013 أثناء الاختباء فى جحره برفقة قليل من ضباع تنظيمه، وتحت ضغط الملاحقة، ولدت «اللجان النوعية»، ورغم محاولاته اللاحقة لإظهار الجماعة كضحية، إلا أن بصمات مدرسته «الصدامية» كانت واضحة فى شرعنة العنف تحت مسميات «المقاومة الشعبية»، لقد غرس «عزت» فى شباب التنظيم فكرة «الجاهلية» والمواجهة، ثم صنع بهم خلايا «الذئاب المنفردة» ليقطع من الناحية الشكلية الصلة التنظيمية بينهم وبين الإخوان.
ولذلك لم يكن سقوط محمود عزت مجرد ضربة أمنية فحسب، بل كان «ضربة فى مقتل» للتنظيم، فبالقبض عليه فقد التنظيم «كلمة السر» التى تربط الداخل بالخارج، ومن بعد سقوطه أصبحت الجماعة تعيش حالة من «التيه والتخبط» بين جبهتى لندن وإسطنبول، وهى الانقسامات التى كان «عزت» هو الوحيد القادر على احتوائها بـ«سوط» التنظيم.
فى المحصلة، لا يُمكن النظر إلى محمود عزت بوصفه رجل شغل موقعاً تنظيمياً حساساً، بل بوصفه الرجل الذى عاش طويلاً على وهم «الدولة داخل الدولة». وحين تم القبض عليه عام 2020 كان إعلاناً لسقوط نموذج الجماعة التى تظن أنها «الإسلام»، وتعيش على وهم أنها فوق الدولة، وأعلى من القانون.
وما تبقى من الجماعة مجرد ذاكرة تنظيمية مثقلة بالخوف، وأجيال متصارعة بلا مرجعية، وخطاب يتآكل من الداخل، فاستنفدت كل أسباب بقائها.