مصر تتجرأ وتبني جيشها!

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

في اجتماع مغلق للجنة الخارجية والدفاع في الكنيست -قبل أسبوع- أعرب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، عن قلقه من «تعاظم» القدرات العسكرية للجيش المصري، وشدد على ضرورة المتابعة المستمرة لهذا الملف.

لم يقل رئيس حكومة «العدو» إن مصر تخطط للحرب، قال فقط إنها «تصل إلى حد مفرط من القوة».

في منطقتنا هذه، لا شيء يبعث على الطمأنينة أكثر من تصريح إسرائيلي يقول: نحن قلقون، وحين يقلق نتنياهو فهذا يعني -غالباً- أن العالم لم يعد يدور بما يتناسب وجدول أعماله، أو أن هناك دولة مجاورة تجرأت على بناء جيشها داخل حدودها السيادية، دون أن تطلب إذناً مسبقاً من الكنيست.

كلمة «تعاظم» هنا تستحق الوقوف عندها طويلاً، فهي لا تعني فقط زيادة في التسليح، لكنها تحمل في العقل الأمني الإسرائيلي معنى أقرب إلى «زيادة غير لائقة»، أو «تجاوز فوق الحد المسموح»، وهو حد غير مكتوب طبعاً، لكنه محفوظ في الذاكرة الإسرائيلية منذ عام 1979، ومفاده: مسموح لمصر بجيش، لكن ليس مسموحاً له أن يكون جيشاً حقيقياً أكثر من اللازم.

نتنياهو -بحسب التسريبات- يحذر نواب الكنيست من أن الجيش المصري يواصل بناء قوته.

دعونا نتخيل المفاجأة، جيش يبني قوته! لا يقلصها، ولا يضعها في المخزن، ولا يعلن الاكتفاء الذاتي من السلاح.

عملية البناء مستمرة، وهذا أمر يستحق القلق، بل والمراقبة الدقيقة، وهذا القلق يأتي رغم «السلام البارد».

المفارقة الساخرة أن إسرائيل، التي قامت عقيدتها الأمنية منذ نشأتها على التفوق العسكري النوعي، ترى في أي محاولة عربية لبناء قوة متوازنة تهديداً محتملاً.

وكأن المعادلة الإقليمية السليمة -من وجهة النظر الإسرائيلية- يجب أن تتلخص في وجود جيش إسرائيلي قوي جداً، وجيوش عربية لا تتجاوز حد اللياقة الاستراتيجية.

يبدو أن إسرائيل اعتادت -منذ 1979- على جبهة جنوبية هادئة، ومع مرور الزمن، تحول الهدوء إلى افتراض دائم، والافتراض إلى حق مكتسب، والحق المكتسب إلى شعور خفي بأن أي تغيير في ميزان القوة هو خروج عن النص، حتى لو كان هذا التغيير دفاعياً، سيادياً، ومعلناً.

غرور القوة أصاب قادة العدو الإسرائيلي بالعمى السياسي، فالمنطقة تحولت إلى مسرح مفتوح للأزمات، ليبيا تشتعل، والسودان يتأرجح، والبحر الأحمر يغلي، شرق المتوسط يتكدس بالسفن والطموحات، والتنظيمات المسلحة لا تحترم خرائط الحدود.

في وسط هذا كله، قررت مصر أن تحدث جيشها، ليس لتهديد تل أبيب، ولكن لتأمين حدودها، وممراتها، وحقول غازها، وأمنها القومي.

هنا يدخل نتنياهو ليقول: «نحن لا نعترض، لكن يجب ألا يصل التراكم العسكري إلى حد مفرط».

حد مفرط بالنسبة لمن؟ بالنسبة لدولة تمتلك ترسانة نووية غير معلنة، وأحدث الطائرات الأمريكية، ونظام دفاع متعدد الطبقات؟ نتنياهو المحاصر بأزمات سياسية وقضائية، يحتاج دائماً إلى «قلق استراتيجي» جديد، ولا يشغله إن كان التهديد حقيقياً أو افتراضياً، المهم أن يبقى الرأي العام الإسرائيلي في حالة استنفار ذهني، وأن يتذكر الإسرائيليون دائماً، أن لديهم قائداً ساهراً على أمنهم، حتى لو كان هذا السهر موجّهاً نحو جارٍ ملتزم باتفاق سلام منذ أكثر من أربعة عقود.

في المقابل، فإن مصر تبني قوتها، وتوقع اتفاقاتها، وتدير علاقاتها بهدوء، كدولة تعرف وزنها، ولا تحتاج شهادة حسن سلوك عسكري من أحد، ولا تعتبر تحديث جيشها رسالة عدائية.

مصر -ببساطة- تتصرف كدولة ترى أن السلام الحقيقي لا يقوم على ضعف طرف ما، وإنما على توازن القوة الذي يمنع المغامرة.

خلاصة هذا المشهد الهزلي، أن إسرائيل تريد سلاماً بلا قلق، لكنها لا تحتمل جيراناً بلا ضعف، تريد شراكات اقتصادية، بشرط ألا تصاحبها سيادة كاملة.

إسرائيل تريد شرق أوسط مستقراً، وفق مقاس أمني واحد تتخيله وحدها، وعندما تكتشف أن مصر -بهدوء وثقة- تعيد ترتيب أوراقها، ترفع لافتة التحذير، وتطلب «المراقبة الدقيقة»، وكأن الجيش المصري مشروع تحت الاختبار.

أما الحقيقة -بعيداً عن السخرية- فهي أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة لا مكان فيها للأوهام القديمة، ومصر، بتاريخها وجيشها وثقلها، لم تعد لاعباً يمكن الاطمئنان إلى ثباته في خانة واحدة.

وهذا بالضبط ما يقلق تل أبيب: ليس أن مصر ستهاجم، بل إنها أصبحت قادرة، وفي الشرق الأوسط، لا شيء يربك إسرائيل أكثر من جارٍ مستقر، قوي.. وأعصابه حديدية.