الروائي فتحي إسماعيل: القوى الناعمة معركتنا الأهم.. وإن لم نصبح فاعلين سيدهمنا الجهل
الروائي فتحي إسماعيل: القوى الناعمة معركتنا الأهم.. وإن لم نصبح فاعلين سيدهمنا الجهل
أجرى الحوار: السيد العديسي
تصوير - محمد فوزي
منذ سنوات قرر الروائي فتحي إسماعيل أن يغادر مسقط رأسه ليأتي إلى القاهرة من أجل العمل والاحتكاك والاقتراب أكثر من قلب الحياة الثقافية، بالرغم من أنه يرى أن الأمر لم يعد يتعلق بالمركزية، لا سيما مع دخولنا عصر العولمة وتحول العالم الكبير إلى ما يشبه قرية صغيرة.
فاز إسماعيل بالكثير من الجوائز الأدبية، منها جائزة إحسان عبدالقدوس عن رواية «هي عصاي» الصادرة عن هيئة الكتاب المصرية، ويُعد أحد أبرز الروائيين المعاصرين.
يقول، فى حواره لـ«الوطن»، إن الثقافة ليست فعلاً ترفيهيا.. بل ضرورة وحماية للوطن وللناس، موضحا أن معركة القوى الناعمة، وفى القلب منها الأدب والثقافة، وتعزيز دورهما، هى الأهم، وإن لم نصبح فاعلين فى هذا الملف سيدهمنا جيش الجهل والتأخر والتيه.. وإلى نص الحوار:
■ أنت من سوهاج وتعيش فى القاهرة.. هل ما زالت العاصمة قبلة الإبداع؟
- ربما هذه المقولة تنطبق على ذلك الزمن الذى لم تكن فيه وسائل التواصل قد انتشرت هذا الانتشار، وأصبحت الندوات الأدبية تُدار عبر الإنترنت، بل أصبح لكل كاتب منصة خاصة ينشر عليها أعماله، ولكن تظل القاهرة قبلة للأصدقاء ودفء الصحبة ومُلتقى المبدعين. المبدع فى الأقاليم قد يكون أكثر عمقاً وتجذراً فى واقعه، ووسائل التواصل يسّرت انتشار عديد من الأدباء؛ لم تعد المركزية مرتبطة بمكان ولا حتى زمان، وهذه من الحسنات التى استفادها المبدعون الحقيقيون من التقدم التكنولوجى.
الثقافة الحقيقية لا تُصنع فى مركز واحد، بل فى الهامش، فى التنوع، وفى الأصوات المختلفة. ما نحتاجه هو تفكيك وهم المركز، لا تكريسه.
■ كيف ترى دور القوى الناعمة فى المجتمع؟
- القوى الناعمة هى المعركة الأهم التى نخوضها شئنا أم أبينا، فإن لم نصبح فاعلين سيدهمنا جيش الجهل والتأخر والتيه الإنسانى. الأدب والفن والدراما ليست أدوات ترفيه، بل أدوات تشكيل وعى، وإعادة تعريف الإنسان بنفسه وبالعالم من حوله. لكن ما يحدث هو رغبة فى قوة ناعمة «مؤدبة»، لا تُزعج، ولا تسأل، ولا تفتح جروحاً. وهذا تناقض جوهرى، لأن الإبداع الحقيقى لا يكون ناعماً إلا فى شكله، أما مضمونه فغالباً صادم ومقلق. وعلى المسئولين إدراك هذه الحقيقة، فالاهتمام بالفن والثقافة وإعطاؤهما أولوية هو حصن أمان للمجتمع، وخلق جيل يعى ماهية الهوية الوطنية، وقادر على مجابهة تيارات الاستلاب الفكرى بوعى نقدى رصين.
الشخصية المصرية تمتلك موروثا عظيما من الذكاء الفطرى.. لكنها مستنزفة نفسيا وبدنيا
■ كيف ترى الشخصية المصرية اليوم، بعد التغيرات الكثيرة التى طرأت عليها مؤخرا؟
- الشخصية المصرية اليوم تعيش مفارقة مؤلمة: تمتلك موروثاً عظيماً من الذكاء الفطرى، والقدرة الهائلة على السخرية من أزماتها، لكنها فى الوقت نفسه مستنزفة نفسياً وبدنياً وماديا، الاعتياد على القهر هو أخطر ما أصاب هذه الشخصية، لأنه يحول الألم إلى أمر طبيعى، ويجعل الرداءة مقبولة، الخلاص لا يكون بخطاب عاطفى، بل بإعادة الاعتبار للوعى، وللفرد بوصفه قيمة لا مجرد رقم، ولكن تبقى الشخصية المصرية كائناً صلب الجوهر، حلو اللسان، قادراً على تلوين الحياة بلون الإبداع، يصنع للحياة بهجة تناسب حقيقتها، ولكن بلون ورائحة لا ولن تجدها إلا فى الشعب المصري.
■ هل نحن فعلا في عصر الرواية؟
- ربما يمكننى القول إننا فى عصر هيمنة الرواية لا فى عصر الرواية ذاتها. فالرواية أصبحت الشكل الأكثر قدرة على احتواء تعقيد الواقع، لكن هذا لا يمنحها تفوقاً أخلاقياً أو فنياً مطلقاً، المشكلة حين تتحول الرواية إلى وصفة جاهزة للنجاح، وحين يُنظر إلى الشعر أو التجريب باعتبارهما مغامرة خاسرة، والقصة باعتبارها جزءاً سردياً وليست أصلاً حقيقياً للسرد؛ فأنا لا أستوعب أن يكون روائياً مَن لم يمر ببوابة سردية هامة كفن القصة القصيرة مثلاً. ولكن، للأسف، منطق السوق صنع ما يشبه الطوفان، طغى على كل شىء من الإنسانية إلى الآداب والفنون.
نعيش عصر هيمنة الرواية بعد أن أصبحت الشكل الأكثر قدرة على احتواء تعقيد الواقع
■ هل نعيش أزمة نقد أدبى؟
- نعم، للأسف أزمة عميقة لها شقان؛ أولهما ما يتعلق بالكم الهائل من الكتب التى تصدر كل عام، وهذا جيد ورائع، لكن لا أعتقد أن لدينا بالمقابل حصراً أو دراسة كم من كل هذا المنتج صالح أدبياً، وكم منه يحتاج إلى دراسة نقدية، فلدينا غزارة فى الإنتاج وندرة فى المتابعة، فالله فى عون النقاد.
صاحب «هى عصاى»: الثقافة ضرورة وحماية للوطن والناس.. والكتابة لا تحتاج إلى بيانات ولا معارك بل نصوص قادرة على البقاء
الشق الثانى فى النقاد أنفسهم؛ فقد وعيت منذ قراءاتى الأولى وتفتحت عيونى على قراءة النقد الأدبى فى المجلات الدورية المصرية والعربية، النقد الحقيقى البنّاء الذى يتحاور مع النص الأدبى كنص إبداعى فيعلّم أجيالاً ماهية الفن السردى أو ماهية الشعر، بينما نحن الآن نلاحظ أن النقد بات يتبع أسماء الكُتاب لا النصوص، ويلهث وراء النص الحائز على جائزة ما، أو ندوات تُقام وكأنها احتفالية بتدشين كتاب أو توزيعه، احتفاء يخرج عن أطر النقد الأدبى وينتهى عند إسدال الستار على الندوة بلا أى تداعيات نقدية، فالنقد إما غائب، أو خائف، أو مجامل.
■ كيف ترى الدراما والسينما المصرية؟
- هذا وجع آخر.. فلدينا طاقات هائلة كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً، والمواهب تمتلئ بها المسارح وقنوات اليوتيوب ومنصات البث، لكنها أيضاً تأثرت بمنطق السوق والخوف من الخسارة المادية، وأرى أن غياب دور الدولة كمنتج وراعٍ ورقيب له أثر كبير فى هذه المسألة.
صراع مدارس الكتابة
ما يحدث ليس صراع مدارس بقدر ما هو صراع تموضع؛ الكتابة الحقيقية لا تحتاج إلى بيانات ولا معارك، بل إلى نصوص قادرة على البقاء. حين يصبح الخلاف الفنى ذريعة للإقصاء الشخصى نفهم أن المشكلة لم تعد إبداعية. نكص بعض الكُتاب من كونهم ورثة الأنبياء، يسعون إلى الإنسانية والسلام، إلى تقمصهم دور الشيطان، متبعين مبدأ «أنا خير منه». يحيرنى سؤال: إذا كان الكاتب يبحث من خلف قلمه عن تيه ومجد، فهناك سبل أسهل وأسرع، لماذا اختاروا تحديدا (كار الكتابة)؟ فالمسألة ليست صراعا على الكتابة ذاتها أو مدارسها، بقدر ما هى خلل إنسانى، يتجدّد كلما أصيب المجتمع بخلل أخلاقى.