خطر فكري وعملي

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

تعكس الإساءة لوالديّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استمرار اجترار مسائل خلافية قديمة تم بحثها والرد عليها منذ زمن بعيد، لكنها أعادت شغل الناس عن قضايا الأمة الجوهرية، وأدت إلى التشتت والتيه الكبير، واستغل أتباع هذا التيار كل مناسبة لإثارة القضايا الفرعية والخلافية، متجاهلين الاهتمامات الكبرى للأمة، وهو ما يجعل المجتمع ينشغل بالمسائل الفرعية التي تفرق أكثر مما توحد، وتجعل الأمة في دوامة الصراعات بسبب هذا التيار.

إن أتباع هذا التيار يميلون دائماً إلى اختيار أصعب المسائل وأكثرها حدة وجدلية، حيث تعودت نفسيتهم على أجواء التحريم والتعصب المستمر، واعتادوا على اتهام الآخرين بالتبديع أو الشرك، ما يجعل حياتهم الفكرية متوترة، ونفسيتهم متأثرة بالخلاف الدائم، هذا السلوك النفسي يجعلهم يعيشون في حالة دائمة من الجدال والنزاع والخصام والتأجج، بعيداً عن روح الاعتدال والتسامح، وبهذا يؤسسون لبيئة خصبة لإنتاج الفكر المتطرف الذي يتجاوز مجرد الخلاف الفقهي إلى أفعال عملية قد تضر المجتمع بأسره، بل ضرته بالفعل.

وعند دراسة كتابات رموز تنظيمَي داعش والقاعدة، اتضح لنا بجلاء أن الفكر الداعشي والقاعدي استمد مناهجه من أدبيات التيارات السلفية، وأن الكثير من أتباع التنظيمين كانوا في السابق ضمن صفوف هذا التيار، بدأت الفكرة بمسائل التبديع والنزاعات المعروفة، ثم انتقلت تدريجياً إلى التطرف العملي، حيث أصبح الانخراط في التنظيمات المسلحة والترويج للفكر العنيف نتاجاً طبيعياً لتلك البيئة الفكرية المغلقة، ما يوضح أن الخطوات الأولى نحو التطرف تبدأ من عند هذا التيار ورموزه وأدبياته.

ومن هذا المنطلق، فإن فيديو الإساءة لوالديّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مجرد خطأ لفظي عابر، بل كان نتاجاً طبيعياً لهذه الثقافة الفكرية التي تركز على النزاع والخلاف اليومي والتبديع والتصلب وتضليل الأزهر، وأن أتباع هذا التيار، رغم اختلاف بعضهم في الشكل أو التعبير مع لفظ الإساءة لوالديّ الرسول، يتفقون على المبدأ نفسه والفكرة نفسها، ويواصلون الدعوة إليها والترويج لها يومياً، ما يجعل هذه المقبوحات متصلة بسياق هذا الفكر.

وبينما يمكن مواجهة بعض الأفكار بالنقاش العلمي والمجادلة الفكرية، وقلت في موضع سابق إن كتاب (لماذا أنا ملحد؟!) قابله علماء الأزهر بكتاب (لماذا أنا مسلم؟)، حيث المقال يُقابل بالمقال، والفيديو يُقابل بالفيديو، والكتاب يُقابل بالكتاب، لكن التحول إلى الإهانة أو السب أو التحقير يخرج عن نطاق الحوار، ويصبح أمراً قانونياً، ومن هذا المنطلق تصرفت وزارة الداخلية وفق القانون عندما ألقت القبض على المدعو محمد حسن لإساءته لوالديّ الرسول، صلى الله عليه وسلم.

والحاصل أنه يجب فهم خطورة الفكر المتطرف، وفهم كيفية انتقال التيارات من النقاش الفقهي الهامشي إلى التطرف العملي، كما تبرز ضرورة التفرقة بين الحوار العلمي المشروع وبين التجاوز المشين، لضمان سلامة المجتمع، وحماية الناس من الانزلاق في أجواء التحريض والعداء، يجب أن يدرك المجتمع أن مواجهة هذا التيار بعلم وحكمة من العلماء، وبسيف القانون عند التطاول، أمر مهم للغاية، ليتم اقتلاع هذا الفكر من جذوره.