يسرا زهران تكتب: القطب الشمالي يحول أعداء اليوم إلى أصدقاء الغد.. والعكس! (الحلقة الثانية)

كتب: محرر

يسرا زهران تكتب: القطب الشمالي يحول أعداء اليوم إلى أصدقاء الغد.. والعكس!  (الحلقة الثانية)

يسرا زهران تكتب: القطب الشمالي يحول أعداء اليوم إلى أصدقاء الغد.. والعكس! (الحلقة الثانية)

القطب الشمالي له قصة تختلف عن أي قصة أخرى. من يسمع عنه ليس كمن رآه. ومن رآه ليس كمن عرف ما الذي يكمن تحت سطحه. من يتخيل أنه لا يزيد على كونه مجرد مساحات هائلة من الثلوج الأزلية البيضاء، تمرح فوقها الدببة وغيرها من الحيوانات القطبية، ليس كمن يدرك أن هذه الثلوج تذوب لتكشف عن كنوز هائلة من الثروات الطبيعية، وتفتح طرقاً بحرية تغير من سير الملاحة العالمية، لتتصارع عليها «الدببة» السياسية والاقتصادية التي تريد السيطرة على النظام العالمي الجديد.

من يظن أن القطب الشمالي مجرد كتلة ساكنة، هامدة، تقبع بعيداً عن ضجيج الصراعات والحروب الدائرة على الأرض، معزولة ببرودتها وحدودها غير الواضحة التي لا يعرف الكثيرون نقطة بدايتها ونهايتها، لا يدرك أن تغيرات القطب الشمالي، ومنذ ملايين السنين، تؤثر في كل ما يحدث على الأرض، وحتى في حركة دورانها حول الشمس. واليوم، في تلك المنطقة الواقعة في أقصى شمال الكرة الأرضية، التي كان الرحالة القدامى يظنون أنها النقطة التي تنتهي عندها حدود العالم لتنفتح من ورائها حدود الكون، واشتهرت قديماً باسم «قمة الأرض»، تتجمع الخيوط بثبات وبطء لا يختلف عن ثبات ذوبان الجليد فيها، وتتعقد لتشكل بؤرة جديدة للصراعات العالمية بين القوى العظمى، والدول الصاعدة ذات الطموح، على خلفية أزمة لم يسبق لها مثيل للتغير المناخي، في حرب جديدة على الموارد والأراضي والبحار، تشتعل بينما الطبيعة نفسها تزأر في أزمات مناخية وبيئية لا يبدو أنها ستنتهي.

يسرا زهران

تتشابك تلك الخيوط في حسابات سياسية معقدة بين دول تبحث عن زيادة رقعة نفوذها الجغرافي، والحصول على مكاسب على طاولة المفاوضات والحسابات السياسية، وبيئة تهدد بقلب هذه الطاولة على رأس جميع اللاعبين لتغير حرفياً من شكل الحياة على الكرة الأرضية، لو لم ينتبه سكانها للخطورة الحقيقية للتغير المناخي، قبل فوات الأوان.

وعلى «قمة الأرض» يتجدد الصراع مرة أخرى بين من يريدون احتلالها، للتحكم في مصير ما يتبقى من الأرض!

ما يحدث حالياً في نصف الكرة الشمالي هو أن هناك «قوس أزمات» جديداً يتشكل ما بين الولايات المتحدة وروسيا والصين ودول حلف «الناتو». يمتد هذا القوس من منطقة شمال الأطلسي، ويمر ببحر الشمال وبحر البلطيق، ثم بالمحيط المتجمد الشمالي وبحر «بيرينج» (الذي يفصل بين روسيا و«ألاسكا» الأمريكية في القطب الشمالي)، وينتهي في الجزء الشمالي من المحيط الهادئ.

في هذا القوس الذي تقع منطقة القطب الشمالي في قلبه، تتقاطع كل المصالح الاستراتيجية والعسكرية للقوى العظمى في النظام العالمي القائم، والقوى التي تسعى لإقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. هناك مصالح عسكرية دفاعية، تسعى فيها الدول لتأمين أراضيها وحدودها ضد التهديدات العسكرية الخارجية. وهناك مصالح اقتصادية، تريد بها الدول تحسين وضعها الاقتصادي من خلال الوصول إلى الموارد الطبيعية، مثل البترول والغاز والمعادن النادرة تحت سطح الأرض وتحت سطح البحر، أو تحت الجليد الذي يواصل ذوبانه في محيطات القطب الشمالي المتجمدة. هناك دول تريد الدفاع عن مصالح أقليات من مواطنيها المقيمين خارج حدودها أو حماية مشاريعها العابرة لتلك الحدود، ودول أخرى تريد نقل أو حتى فرض أفكارها وقيمها وأسلوب حياتها على دول أخرى حولها أو بعيداً عنها.

تتداخل في هذه المنطقة مصالح الدول الموجودة جغرافياً فيها، ويتداخل معهم أيضاً عدد من القوى الدولية التي صارت لها مصالح تجارية واقتصادية في موارد القطب الشمالي، مثل الصين والهند والإمارات العربية المتحدة وبريطانيا واليابان. وهو ما جعل تلك المنطقة اليوم في وضع فريد، تقف فيه دائماً على حافة الانفجار: تهدد بالاشتعال لكنها لا تشتعل. يتوقع الكل اندلاع حرب فيها، لكنها تكتفي بإطلاق صفارات الإنذار. تتحطم أعصاب سكانها وهم يستمعون للرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» يهدد باللجوء للقوة العسكرية لاحتلال جزيرة تثير اهتمامه فيها، وهي جزيرة «جرينلاند»، ويقلق منامهم دوى المسيرات الروسية والصينية التي تحوم باستمرار فوق مناطق من القطب الشمالي، إما للاستكشاف وإما لفرض السيطرة، ثم يستيقظون فيعكر صفو نهارهم تلك التحليلات الإخبارية المتواصلة، في وسائل الإعلام الغربية أو الروسية، التي تحذر من شبح حرب جديدة، سواء كانت حرباً باردة أو ملتهبة، في منطقة قوس الأزمات الشمالي الجديد، وتظهر باستمرار مشاهد لجنود وقوات تتدرب على القتال في أجواء شديدة البرودة، أو داخل غواصات نووية تجوب قلب المحيطات المتجمدة.

دائماً هناك في تلك المنطقة خوف من تحرك طائش، أو سوء فهم واحد خطأ. من تصرف يحسبه طرف ما عادياً ويراه الطرف الآخر عدائياً. من حركة أو مناورة تستهدف بها دولة ما استعراض قوتها أو تأمين مصالحها وحدودها فتعتبرها دولة أخرى إعلاناً للحرب ضدها. إن حجم التوترات وانعدام الثقة الذي أصبح يسود العلاقات بين الدول ذات المصالح العسكرية والاقتصادية في القطب الشمالي، المتقلب بين التجمد والذوبان، قد جعله يقف طيلة الوقت على حافة من الغليان المستمر.

لا يوجد طرف واحد حتى الآن له مصلحة في إشعال حرب مباشرة في القطب الشمالي، لكن هناك أطرافاً عديدة لا تتردد في زعزعة استقراره حتى لا تكون هناك فيه سيادة لغيرها. روسيا مثلاً، التي تعتبر أكبر دولة ضمن دول المنطقة القطبية الشمالية، لا تتردد في إجراء العديد من المناورات العسكرية بالقرب من حدودها المشتركة مع فنلندا والنرويج (دول حلف «الناتو» في المنطقة القطبية)، أو في مضيق «بيرينج» الذي يفصل بين «سيبيريا» وولاية «ألاسكا» الأمريكية، حتى لو لم تكن تلك المناورات تهدف إلى أكثر من إثارة أعصاب حلف «الناتو» وتشتيت انتباهه عن حربها ضد أوكرانيا. أما الولايات المتحدة، وعلى الرغم من اهتمام رئيسها الحالي بجزيرة «جرينلاند»، إلا أن الاهتمام العسكري الأمريكي في الفترة الحالية ما زال مركزاً على الحد من النفوذ الصيني في آسيا ومواجهة الإرهاب والقرصنة في منطقة القرن الأفريقي، والتحديات في الشرق الأوسط، بالتالي فمن مصلحتها أيضاً ألا يصل غليان القطب الشمالي حالياً إلى حافة الانفجار.

لكن ما الذي يمكن أن يحدث لو قررت روسيا أو غيرها أن ترفع من حدة التوترات في القطب الشمالي لتشعل بها ساحة مواجهة جديدة بينها وبين حلف «الناتو»، أو بين الولايات المتحدة والصين، أو بين الصين وروسيا من جهة والغرب من جهة أخرى؟

«كلاوس دودز»: التعاون بين روسيا والصين لا يعني أن «موسكو» ستقبل تحول «بكين» إلى قوة عظمى في القطب الشمالي

أحد من حاولوا البحث عن إجابة للتساؤلات السابقة كان الباحث البريطاني «كلاوس دودز»، أحد أساتذة الجغرافيا السياسية، الذين يحظون بثقة دوائر صنع القرار في بريطانيا وأوروبا، والذي أصدر مؤخراً كتاباً عن مستقبل الصراعات والتوازنات العالمية في القطب الشمالي، حمل عنوان «غير مجمد: النضال من أجل مستقبل القطب الشمالي»، وصدر عن منشورات جامعة «ييل الأمريكية». كان «دودز» يريد أن يكون كتابه دراسة متعمقة لتلك المنطقة المؤثرة في مسار الكرة الأرضية دون أن يختزلها في منطقة المعارك والحروب. كان يرى أن الصراعات الجيوسياسية فيها هي جزء من طبيعتها التي تتغير مع ذوبان الجليد فيها، إلا أن التغيرات المناخية والبيئية الناجمة عن قطب شمالي «غير مجمد» لا تقل أهمية ولا تأثيراً عنها. ألف «دودز» الكتاب بالتعاون مع «ميا بينيت»، وهي واحدة من أهم الباحثين في مجال الخريطة البيئية ومجتمعات السكان الأصليين في المنطقة القطبية الشمالية، وهي المجتمعات التي أصبحت تشكل صوتاً لا يمكن تجاهله في أي قرار يتعلق بمصير المناطق القطبية الشمالية، كما ظهر بوضوح مؤخراً في أزمة جزيرة «جرينلاند».


مواضيع متعلقة