ماذا قال الدكتور مفيد شهاب عن اللجنة القومية لاسترداد طابا؟

كتب: محمد أبو عمرة

 ماذا قال الدكتور مفيد شهاب عن اللجنة القومية لاسترداد طابا؟

ماذا قال الدكتور مفيد شهاب عن اللجنة القومية لاسترداد طابا؟

قضية استرداد طابا تبقى علامة مضيئة في سجل الدبلوماسية المصرية، ويظل اسم الراحل مفيد شهاب وزير التعليم العالي السابق الذي وافته المنية اليوم، حاضرا بقوة كأحد أبرز من قادوا المعركة القانونية التي انتهت بإعلان طابا أرضًا مصرية بحكم التحكيم الدولي في 29 سبتمبر 1988.

وخلال ندوة نظمتها مجلة السياسة الدولية الصادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، استعاد شهاب تفاصيل السنوات الفاصلة، قائلا إنّه تولى مسؤولية الملف القانوني في الوفد المصري منذ اللحظة الأولى، وحتى صدور الحكم النهائي لصالح مصر، ويوم النطق بالحكم كان من أكثر الأيام تأثيرا في حياته، حيث بكى أعضاء الفريق من شدة الفرح، بعد سنوات من الجهد المتواصل والعمل الدؤوب، واصفا تلك المرحلة بأنّها من أسعد وأهم محطات مسيرته المهنية، لأنها ارتبطت بانتصار وطني خالص، وأنّ اللقب الأحب لقلبه هو عضو لجنة استرداد طابا.

تكليف رئاسي وبداية المهمة

روى مفيد شهاب كواليس انضمامه للجنة القومية لطابا، الذي جاء بقرار من الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي طلب الاستعانة بنخبة من خبراء القانون والتاريخ والجغرافيا لدراسة الموقف المصري، حيث جرى التواصل معه عبر الدكتور أسامة الباز، بعد توصية من وزير الخارجية الأسبق عصمت عبد المجيد.

وخلال لقاء بالرئيس الأسبق، طلب منه مبارك دراسة ملف طابا خلال أيام قليلة وإبداء الرأي القانوني، وبعد مراجعة دقيقة للوثائق التاريخية والخرائط والاتفاقيات، أكد أنّ الموقف المصري يستند إلى أسس قانونية راسخة، وأنّ طابا أرض مصرية وفقًا لاتفاقيات ترسيم الحدود والوثائق الرسمية، ليبدأ بعدها العمل المؤسسي المنظم لإعداد ملف التحكيم.

من المفاوضات إلى خيار التحكيم

شهدت الفترة بين عامي 1982 و1985 جولات تفاوض مطولة بين مصر وإسرائيل، خاصة حول العلامات الحدودية في منطقة رأس النقب وطابا، ورغم استكمال الانسحاب الإسرائيلي وفق اتفاقية السلام الموقعة عام 1979 عقب مفاوضات كامب ديفيد، فإنّ خلافات ظهرت بشأن بعض النقاط الحدودية.

أوضح شهاب أنّ الجانب الإسرائيلي سعى إلى إطالة أمد التفاوض أو اللجوء إلى التوفيق كحل غير ملزم، بينما تمسك الوفد المصري بالتحكيم الدولي باعتباره وسيلة قانونية ملزمة وفقًا للمادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، كما أكد أنّ التفاوض يتطلب رضا الطرفين، وهو ما لم يتحقق خلال سنوات طويلة، بينما التحكيم يصدر حكمًا نهائيا واجب التنفيذ.

وفي هذا السياق، رفض الرئيس مبارك لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز قبل إعلان الموافقة الرسمية على التحكيم، وهو ما تحقق لاحقًا، بتوقيع اتفاق التحكيم في سبتمبر 1986 بعد مفاوضات دقيقة استمرت عدة أشهر.

إعداد ملف قانوني متكامل

مع بدء إجراءات التحكيم، جرى تشكيل فريق مصري ضم نخبة من أساتذة القانون الدولي والتاريخ والجغرافيا، إلى جانب دعم كامل من مؤسسات الدولة. وقدم الفريق مذكرات قانونية موثقة، وخرائط تاريخية تعود إلى اتفاقية 1906 بين مصر والدولة العثمانية، إضافة إلى شهادات رسمية وعسكرية تؤكد السيادة المصرية على طابا.
واستمرت جلسات التحكيم قرابة 3 سنوات، شهدت مرافعات قانونية دقيقة عكست قوة الإعداد المصري. وأكد شهاب أنّ المعركة لم تكن انفعالية، بل اعتمدت على التنظيم والهدوء والاحتكام إلى الوثائق والمستندات.

حكم تاريخي وسيادة مكتملة

في 29 سبتمبر 1988 صدر الحكم بأغلبية هيئة التحكيم لصالح مصر، أكد صحة الموقف المصري في العلامات الحدودية المتنازع عليها، وعلى رأسها طابا ومنطقة رأس النقب. وأعقب ذلك رفع العلم المصري على طابا عام 1989، ليكتمل بذلك استرداد كامل التراب الوطني في سيناء، وهو انتصار لم يكن مجرد حكم قانوني، بل كان نتاج تلاحم مؤسسات الدولة وتكامل أدوارها، من الدبلوماسية إلى الخبرة القانونية والدعم الفني والعسكري.

دروس من ملحمة طابا

الراحل أكد أنّ أهم ما تعلمته مصر من هذه التجربة هو أنّ الحق يحتاج إلى إصرار وعلم وتنظيم حتى يُسترد، وأنّ القضايا الوطنية الكبرى لا تُدار بالعاطفة وحدها، بل بالتخطيط العلمي والاعتماد على المتخصصين في كل مجال.

وتابع أنّ معركة طابا ستظل نموذجًا لقدرة الدولة المصرية على الدفاع عن حقوقها عبر الوسائل القانونية والدبلوماسية، وأنها تجربة يعتز بها طوال حياته، لأنها جسدت معنى الانتماء والعمل الوطني المنظم، مشيرا إلى أن أحب الألقاب له هو عضو لجنة استرداد طابا.