وليد خيري يكتب: تصعيد التفاهة

كتب: editor

وليد خيري يكتب: تصعيد التفاهة

وليد خيري يكتب: تصعيد التفاهة

في محيط الفضاء الرقمي الشاسع، الذي نسبح فيه يوميا، لم تعد التفاهة مجرد سحابة عابرة أو ذوق شخصي منحرف، بل تحولت إلى موجة عاتية و نظام ثقافي مهيمن، يعيد صياغة وعينا وعلاقاتنا بالوجود. نحن نشهد اليوم هندسة دقيقة لانعدام المعنى، حيث يدفع بالسطحي إلى صدارة المشهد، وينفى العمق إلى هوامش النخبوية المفتعلة، لدرجة أننا لم نعد في زمن يكافأ فيه صاحب الرؤية أو الفكر العميق، بل في زمن يكافأ من يتقن اللعب داخل النظام.. من لا يزعج أحدا، من لا يطرح أسئلة.

الرأسمالية الرقمية شرعت في تحويل الحياة برمتها إلى حالة فرجة مستمرة، حيث يتم استلاب الأفراد عبر إغراءات ناعمة تجعلهم يعشقون عبوديتهم الطوعية خلف الشاشات. ومن هنا، انهار الزمن العميق لصالح لحظة استهلاكية عابرة، وأصبح كل شيء متاحا وسطحيا لدرجة أنه لم يعد هناك شيء مهم حقا. فالحقيقة اليوم لم تعد تقاس بالبرهان أو الدليل، بل بعدد الإعجابات ووتيرة المشاركات، مما أدى إلى ولادة كائنة مشوهة اسميها "تفاهة" تضخمها الخوارزميات التي تستهدف مناطق اللاوعي في عقولنا، وتحفز فينا فضولا سطحيا لا ينتهي.

إن الواقع يشهد على هذا الانحدار، فبينما تحترق قضايا كبرى مثل العدالة والمصير، نجد الانتباه الجمعي مشتتا في سجالات عقيمة حول ترند لحظي أو استعراض نرجسي لذات تحولت إلى منتج قابل للتسويق. لقد صار الإنسان المعاصر لا يستهلك الأشياء لمنفعتها، بل كما لاحظ جان بودريار: لم نعد نستهلك أشياء من أجل استخدامها، بل من أجل دلالتها. لقد صارت كل الأشياء علامات، والسلعة لا تشترى بوصفها شيئا بل بوصفها هوية. وفي غمرة هذا الانفجار في فائض القيم المصنعة، غدا المواطن مجرد متفرج منزوع القدرة على الفعل، يستبدل النقاش العقلي بميم ساخر أو كومنت سريع.

هذا التصعيد الممنهج للتفاهة ليس مجرد عرض لضعف الذوق، بل هو إستراتيجية سلطة سائلة تعمل على امتصاص الوعي داخل نظام من الصور الزائفة والمحتوى المفرغ. ففي مجتمع الفرجة، يتحول كل ما هو حقيقي إلى صورة، وتتآكل التجربة الوجودية لصالح نرجسية الشاشة التي تربط قيمة الفرد بمدى كونه مرئيا لا بصفاته الجوهرية. والنتيجة هي عقل مشبع بالصور ولكنه جائع للمعنى، يعاني من قلق داخلي لا تداويه رفاهية الحياة الرقمية.

ومع ذلك تبقى المقاومة ممكنة في زمن الهيمنة هذا، وتبدأ باستعادة تأويل الأحداث بعمق وذكاء والوفاء للحقيقة التي تُكتسب بالصبر والمثابرة، بعيدا عن ضجيج السوق المدجج بالملهيات التافهة. إن خيارنا الوجودي اليوم هو إما الاستسلام لسيولة التفاهة، أو إعادة بناء معنى العالم عبر الانتباه والوعي والتفكير الصامت، فلقد صرنا نفكر بصوت مرتفع دائما، وهذا لا ينتج عمقا بل ينتج مزيدا من التفاهة.

يبقى أن أقول لقد صرنا في حاجة الملحة لصياغة أخلاق رقمية تعيد الاعتبار للزمن البشري المتمهل ولحق الإنسان في الغياب والسكينة والفصلان، فالتواري عن الأنظار أحيانا ليس مجرد ترف، بل هو شرط وجودي وحصن يحمي جوهر الذات من التلاشي في ضجيج منصات التواصل. إن عملية استعادة الوعي السليب هي في جوهرها تربية جديدة على الانتباه بعمق والاستماع ببطء، حيث يستبدل التفاعل اللحظي العابر بتفكير صامت، بطيء، ومثابر، يعيد بناء العالم في مخيلتنا كقصيدة ممتدة لا كقصاصات وخواطر عابرة.