مدرسة التحكيم الدولي المصرية.. مفيد شهاب
في صباح يوم الأحد الموافق الخامس عشر من شهر فبراير 2026م، فقدت المدرسة القانونية المصرية واحداً من أعظم فقهاء القانون الدولي العام، وهو الأستاذ الدكتور مفيد شهاب، أستاذ القانون الدولي العام بكلية الحقوق - جامعة القاهرة، ورئيس جامعة القاهرة الأسبق، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق، ووزير الشئون القانونية والمجالس النيابية الأسبق.
وقد تتلمذت على يدي المغفور له، بإذن الله تعالى، خلال العامين الأول والثاني من أعوام الدراسة الجامعية، حيث قام بتدريس مادة المنظمات الدولية في العام الدراسي الأول، ومادة القانون الدولي العام في العام الدراسي الثاني.
وفي اعتقادي أن القانون والفقه القانوني والقضاء هي من عناصر القوة الناعمة المصرية.
وقد سبق لي الكتابة عن القوة الناعمة القانونية، وذلك من خلال إلقاء الضوء على الدور المهم الذي لعبه الفقه القانوني المصري والقضاء المصري في المنطقة العربية.
وكانت النية تتجه للكتابة عن مدرسة التحكيم الدولي المصرية باعتبارها أحد عناصر القوة الناعمة القانونية المصرية، حيث يعد أستاذنا الدكتور مفيد محمود شهاب أحد أهم رجالاتها.
وكم تمنيت أن يرى هذا المقال النور في حياته، ليكون تعبيراً عن الشعور بالامتنان والعرفان للدور المهم الذي قام به في تعزيز القوة الناعمة القانونية المصرية، من خلال إرساء بنيان مدرسة التحكيم الدولي المصرية، حيث كان الدكتور مفيد شهاب أحد أعضاء وفد التحكيم المصري في مفاوضات طابا، التي تكللت بعودة منطقة طابا إلى أحضان الوطن الأم، في العام 1986م.
ولم تتوقف إسهامات أستاذنا الدكتور مفيد شهاب في ميدان التحكيم الدولي عند هذا الحد، حيث شارك بالرأي والمشورة للحكومة اليمنية في النزاع بينها وبين دولة إريتريا المجاورة حول جزر حنيش.
ولمن لا يعلم، فإن النزاع بين اليمن وإريتريا حول أرخبيل حنيش، وفي المقدمة منها جزيرة حنيش الكبرى، قد بدأ مع احتلال دولة إريتريا، التي نالت استقلالها حديثاً عن إثيوبيا، لجزيرة حنيش الكبرى، وكان ذلك في ديسمبر 1995م، أي بعد ثلاث سنوات فقط من استقلال إريتريا عن إثيوبيا.
ولحل هذا النزاع، وافقت الدولتان على اللجوء إلى التحكيم الدولي من خلال الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية.
وخلال الفترة من ديسمبر 1995 حتى أكتوبر 1998م، مرت القضية بثلاث مراحل أساسية: أولاها، من ديسمبر 95 (الاحتلال الإريترى لجزيرة حنيش الكبرى) وحتى مايو 96 (توقيع اتفاق المبادئ بين اليمن وإريتريا). وثانيتها، من مايو 1996 حتى مايو 97 (موعد صدور الحكم تم تأجيله).
وقد تم تأجيل صدور الحكم من مايو 97 حتى أكتوبر 98 بسبب سؤال حول أحقية الاستثمار والتنقيب في جزيرة حنيش وعوائدها. أما المرحلة الثالثة، فتقع خلال الفترة من مايو 97 حتى أكتوبر 1998 (موعد صدور الحكم).
وفي المراحل الثلاث ظهرت جملة من التحديات والصعوبات والإشكاليات، أهمها أن التحكيم لم يحدد منطقة النزاع وبقي مفتوحاً، وظل اليمن يدعي أن المنطقة المتنازع عليها هي جزيرة حنيش الكبرى، فيما ظلت إريتريا تدعي أن منطقة النزاع هي أرخبيل حنيش كاملاً، الذي يتكون من عشر جزر، وأنها تخضع لملكيتها، وليس فقط جزيرة حنيش الكبرى. وفي شهر أكتوبر 1998م، قررت محكمة التحكيم الدائمة أن هذه المنطقة تابعة لليمن.
ويعد هذا الحكم نتيجة الجهود الكبيرة والمضنية التي بذلتها لجنة العمل اليمنية في تجميع الوثائق والخرائط والاستدلالات من كل مكان ليثبت الحق التاريخي والقانوني، وشمل ذلك: الجانب التاريخي، والملاحي، والفلكي، والسمكي، واللغوي، والجغرافي، كل ما يتعلق بذلك من وثائق وخرائط. وقد كان للدكتور مفيد شهاب دور كبير في تقديم العون والمشورة والرأي للجنة العمل وللحكومة اليمنية في هذا النزاع، والذي توج بحصول اليمن على حقه في السيادة على أرخبيل حنيش.
كذلك، وحسبما قال لي أستاذي الدكتور مفيد شهاب، في حديث تليفوني دار بيني وبين سيادته، فقد كان له دور أيضاً بالرأي والمشورة في النزاع التاريخي بين دولة قطر ومملكة البحرين حول جزر حوار. ففي مارس سنة 2001م، أنهى حكم محكمة العدل الدولية النزاع التاريخي بين قطر والبحرين حول جزر حوار (الذي بدأ منذ ثلاثينات القرن العشرين)، حيث تم ترسيم الحدود نهائياً بمنح السيادة على جزر حوار وجزيرة قطعة جرادة للبحرين، بينما مُنحت السيادة لقطر على جزر جنان، فشت الديبل، ومنطقة الزبارة، مع ضمان حق المرور السلمي للسفن القطرية.
ولا شك أن الاستعانة بالخبرات المصرية في التحكيم الدولي تعكس الثقة الكبيرة في القدرات القانونية المصرية في مجال التحكيم الدولي، التي تعززت سمعتها كثيراً وأصبح مشهوداً لها بالتميز والأداء المهني العالي، وذلك بعد انتصار الموقف المصري في معركة تحكيم طابا.
وفي الختام، لا نملك سوى الدعاء للفقيد الكبير، أستاذنا الدكتور مفيد محمود شهاب، بالرحمة والمغفرة، وأن يسكنه الله فسيح جناته ويلهم أهله وذويه وطلابه الصبر والسلوان، وأن يجزيه عنا وعن كل طلابه خير الجزاء.. و«إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».