الذكرى العاشرة لرحيل قارئ التاريخ محمد حسنين هيكل.. أيقونة الصحافة والسياسة
الذكرى العاشرة لرحيل قارئ التاريخ محمد حسنين هيكل.. أيقونة الصحافة والسياسة
«الجورنالجي».. أدخل الصحافة في دائرة السلطة فشاركت في صنع القرار
ارتبط اسم الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل بمهنة الصحافة، ليس باعتباره أحد أبنائها فحسب، بل لكونه من أبرز الأسماء التي صنعت تاريخ الصحافة العربية في القرن العشرين، ليصبح عنصراً فعالاً في تشكيل الوعي السياسي العربي، ذلك لأنه لم يكن مجرد ناقل للأخبار أو محلل للأحداث، بل كان شاهداً على صناعة القرار وجزءاً منه أحياناً، حتى أصبح اسمه مقترناً بتاريخ مرحلة كاملة من التحولات الكبرى في مصر والمنطقة العربية، وخاض من أجل ذلك رحلة طويلة وصعبة، مليئة بالتفاصيل الملهمة.
ولد «هيكل» عام 1923، وبدأ مسيرته الصحفية مبكراً، فعمل في صحف عدة، قبل أن يلمع نجمه في مؤسسة «أخبار اليوم»، حيث أثبت قدرة لافتة على الوصول إلى مصادر المعلومات وتحليلها بعمق، ومنذ بداياته، اتسم أسلوب «هيكل» بالدقة والقدرة على الربط بين الحدث وسياقه الأوسع، وهو ما ميزه عن كثير من أبناء جيله، فلم يكتفِ بنقل الخبر، بل كان يبحث عما وراءه، محاولاً فهم دوافعه ونتائجه المحتملة.
جنى ثمار قربه من «جمال» واكتوى بنار معارضته لـ«السادات»
جاء التحول الأهم في مسيرته مع قيام ثورة 23 يوليو 1952، حين اقترب من دوائر السلطة الجديدة، وبخاصة من الرئيس جمال عبدالناصر، في تلك اللحظة لم يعد «هيكل» مجرد صحفي يغطي الأحداث، بل أصبح قريباً من صانع القرار نفسه، مطلعاً على تفاصيل ما يجري خلف الكواليس، ثم تولى بعد ذلك رئاسة تحرير «الأهرام» عام 1957، لتتحول إلى واحدة من أهم الصحف في العالم العربي، بل ومنبر فكري وسياسي مؤثر يتجاوز حدود مصر.
وأكد الكاتب الصحفي الراحل مكرم محمد أحمد في شهادة سابقة له عن «هيكل»: «أعظم رئيس تحرير عملنا معه، وهو على درجة عالية من الموضوعية في تعامله مع الناس، وكان يحمي العاملين معه، كما يعرف جيداً أصول وآداب المهنة، فهو مهني من طراز رفيع»، ويضيف: «كان أثناء مسؤوليته كرئيس تحرير يحب المبتكرين والمبادرين والنشطين، كما كان في بحث دائم عن صحفي جيد ومتميز، ويتميز الأستاذ باستشعاره العالي للمستقبل، وكان دائماً في صف شباب المهنة، يعطي الفرص للموهوبين ولا يغلق بابه دونهم، بل كان في حالة بحث دائم عنهم».
وتابع «مكرم»: «جعل هيكل من صحيفة الأهرام واحدة من أعظم عشر صحف في العالم، وجعل الصحفي معتزاً بذاته ومحترماً، أما عن علاقتي به فقد كنا في حالة حوار دائم، وهي حالة حوار ذات تضاريس فكرية ومنهجية متباينة، لكنها كانت تقوم على الاحترام، وكنا نختلف ونتفق في علاقة صريحة لا تعرف المواربة».
في عهد «عبدالناصر»، لعب «هيكل» دوراً مركزياً في صياغة الخطاب السياسي للنظام؛ حيث كتب مقالات أسبوعية ينتظرها القراء بشغف، لا لأنها تنقل معلومات فقط، بل لأنها تكشف عن اتجاهات السياسة وتوجهات القيادة، أصبح مقاله الأسبوعي بمثابة رسالة غير رسمية من السلطة إلى الشعب، يتابعه المهتمون داخلياً وخارجياً بوصفه تعبيراً عن رؤية الدولة، وبهذه الطريقة تحول «هيكل» من صحفي يصف الحدث إلى صانع رأي عام يوجه النقاش ويحدد أولوياته.
لم يكن تأثيره محلياً فقط، بل امتد إلى الساحة العربية والدولية، وأصبح على صلة بزعماء وقادة عالميين، وشارك في مؤتمرات ولقاءات دولية، ما أتاح له الاطلاع على أبعاد الصراع الدولي خلال الحرب الباردة، وقد انعكس ذلك في تحليلاته التي جمعت بين البعد المحلي والإقليمي والدولي، فكان يربط بين قرار سياسي في «القاهرة» وتحولات كبرى في «واشنطن» أو «موسكو».
أنصار هيكل يرونه مؤرخا عصريا
وأشار الكاتب الصحفي الراحل مكرم محمد في الجزء الخاص بنفوذ «هيكل»، في تصريحات سابقة له، إلى موقف لا ينسى للصحفي الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، حين أنقذه من حكم بالسجن لمدة 25 عاماً في اليمن، وقال «مكرم»: «تعرضت للظلم أثناء تغطيتي لحرب اليمن، وصدر ضدي حكم من محكمة عسكرية بالسجن هناك، بزعم أنني أرسلت أخباراً للأهرام دون صفة رسمية، وكان ينتظرني حكم بالسجن 25 سنة، ولولا تدخل هيكل في اللحظة المناسبة لكنت قد سُجنت، وتم ترحيلي إلى مصر بحجة محاكمتي، هنا نفوذ هيكل كان الحاسم في هذا الموقف».
حسنين هيكل أنقذ مكرم محمد أحمد من السجن المؤبد في اليمن
وأضاف «مكرم»: «لم يكن من المفترض أن يصل الأمر إلى هذا الحد، فأنا كنت أقوم بواجبي الصحفي بتغطية نشاط القوات المسلحة المصرية في الأراضي اليمنية، أعرف اليمن كما أعرف كف يدي، ولا تزال ذكرياته حية في ذهني»، يعكس هذا الموقف قوة ونفوذ «هيكل»، وقدرته على صياغة الرأي العام والتدخل في تفاصيل لا يستطيع سواه أن يتدخل فيها.
بعد رحيل «عبدالناصر»، عام 1970، لم يخفت نجم «هيكل» بالرغم من الصداقة الكبيرة التي جمعت بينهما، إلا أنه دخل مرحلة جديدة من مسيرته، ففي عهد أنور السادات، بدأت المسافة تتسع بينه وبين السلطة، خصوصاً مع اختلافه حول سياسات الانفتاح الاقتصادي وخيارات السلام مع إسرائيل، انتهى الأمر بإبعاده عن رئاسة تحرير «الأهرام» عام 1974، ثم تعرض للاعتقال لفترة وجيزة عام 1981 ضمن حملة اعتقالات واسعة، لكن هذه الأزمات لم تكن نهاية حضوره، إذ استغلها ليخلق لنفسه مساحة أوسع للكتابة بحرية أكبر ويعيد قراءة التجربة من موقع الناقد والمحلل.
في هذه المرحلة، تفرغ «هيكل» للكتابة والتأليف، فأصدر عدداً كبيراً من الكتب التي تناولت تاريخ مصر الحديث والصراع العربي - الإسرائيلي وعلاقات القوى الكبرى بالمنطقة، من بينها كتابه «خريف الغضب»، الذي تناول فيه السنوات الأخيرة من حكم «السادات»، محللاً التحولات السياسية والاجتماعية التي سبقت اغتياله، كما كتب مطولاً عن تجربة «عبدالناصر»؛ مقدماً شهادته الخاصة بوصفه شاهداً قريباً من مركز القرار، هذا المزج بين التوثيق والرأي والأسلوب المختلف في السرد جعل كتاباته تحصد إعجاباً وانتقادات في آن واحد؛ فأنصاره رأوا فيه مؤرخاً عصرياً يكتب من قلب الحدث، بينما اعتبره منتقدوه صوتاً معبراً عن وجهة نظر السلطة في مرحلة معينة.
مع تطور وسائل الإعلام، عاد «هيكل» بقوة إلى الواجهة عبر ظهوره التليفزيوني في برامج حوارية مطولة، حيث قدم شهادات تاريخية وتحليلات للأحداث الجارية، وكانت حلقاته تُتابَع على نطاق واسع فى العالم العربي لما تحمله من معلومات وكواليس وأسرار، لقد أدرك مبكراً أهمية الإعلام المرئي في التأثير على الرأي العام، فانتقل من عمود الصحيفة إلى شاشة التليفزيون، محافظاً على حضوره وتأثيره.
«الأستاذ».. أسند إليه «ناصر» كتابة الخطابات
لم تكن علاقة محمد حسنين هيكل بالسلطة علاقة عابرة، بل تجسدت في مواقف حاسمة شكلت في بعض اللحظات المفصلية مسار السياسة المصرية والعربية، فقد عاش في قلب الأحداث، واقترب من دوائر صنع القرار، وشهد وشارك أحياناً في صياغة الرؤى التي قادت دولة بحجم مصر في أكثر مراحلها حساسية.
من أبرز المواقف التي جمعت بين «هيكل» والسلطة، دوره في مرحلة ما بعد تأميم قناة السويس عام 1956، حين أعلن الرئيس جمال عبدالناصر قرار التأميم، وكانت المنطقة على حافة مواجهة كبرى مع القوى الاستعمارية، في تلك الفترة، لعب «هيكل» دوراً مهماً في شرح أبعاد القرار للرأي العام العربي والدولي عبر مقالاته في «الأهرام»، لم يكن مجرد ناقل لتصريحات رسمية، بل كان يقدم خلفيات القرار ويضعه في سياق صراع الإرادة الوطنية مع النفوذ الأجنبي، وعندما وقع العدوان الثلاثي، كان قلمه جزءاً من معركة سياسية وإعلامية هدفت إلى تثبيت شرعية الموقف المصري.
في كتابه «بين الصحافة والسياسة»، نشر الأستاذ تفاصيل مهمة عن تطور علاقته بالرئيس عبدالناصر بعد ثورة يوليو، حيث أسند إليه الرئيس مهمة كتابة الخطابات الرئاسية في مناسبات متعددة، من بينها خطابات الاحتفال بعيد ثورة 23 يوليو، وأشهرها خطاب التنحي عقب نكسة يونيو عام 1967، ويستذكر «هيكل» في كتابه: «في ربيع 1970 رأى جمال عبدالناصر أن أكون وزيراً للإرشاد القومي -وزارة الإعلام الآن- إلى جانب عملي في «الأهرام»، حاولت أن أعتذر وأرسلت خطاب اعتذار، لكن لم يكن مناص من القبول في النهاية».
كتب خطابَي الاحتفال بعيد ثورة 23 يوليو و«التنحي» عقب نكسة يونيو 1967
موقف آخر لا يقل أهمية يبرز علاقة الأستاذ بالسلطة في مرحلة ما قبل حرب يونيو 1967، حينها كان «هيكل» قريباً من مركز صنع القرار، وشهد تصاعد التوتر مع إسرائيل، بعد الهزيمة، وعايش لحظة شديدة الحساسية حين أعلن «عبدالناصر» تنحيه عن الحكم، وكان من بين الشخصيات القليلة التي ناقشت الرئيس حول تداعيات القرار، وقيل إنه كان ضمن من رأوا أن انسحاب «عبدالناصر» سيدخل البلاد في فراغ خطير، ومع خروج الجماهير إلى الشوارع مطالبة ببقائه، أصبحت تلك اللحظة واحدة من أبرز الشواهد على تداخل السياسة بالإعلام، حيث لعبت صياغة الخطاب وتفسير الموقف دوراً في إعادة تشكيل المشهد.
تحليلاته أسهمت في تهيئة الرأي العام لفكرة استعادة سيناء من الاحتلال
ومن المواقف اللافتة أيضاً في علاقة عميد الصحافة العربية بالسلطة، مشاركته في التحضير الإعلامي والسياسي لحرب أكتوبر 1973، ورغم أنه لم يكن في موقع القرار العسكري، فإن خبرته وتحليلاته أسهمت في تهيئة الرأي العام لفكرة استعادة المبادرة، لكن المفارقة أن هذه المرحلة نفسها شهدت بداية التباعد بينه وبين الرئيس أنور السادات، خاصة بعد اتجاه الأخير إلى مسار مختلف سياسياً واقتصادياً.
وتبين تلك المواقف أن وجود «هيكل»، في حضرة السلطة لم يكن مجرد امتياز اجتماعي أو سياسي، بل مسؤولية كبيرة، فقد كان عليه أن يوازن بين معرفته الخاصة وواجبه العام، بين الصداقة المهنية والالتزام بالحقيقة كما يراها، وفي كثير من الأحيان كان اختياره للكلمات يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز حدود المقال الصحفي.
لقد شكلت هذه التجارب مجتمعة صورة مركبة لرجل عاش نصف قرن في قلب الأحداث، صديقاً لـ«عبدالناصر»، مختلفاً مع «السادات»، شاهداً على التحولات الكبرى، ومؤرخاً لها في آن واحد، ومن خلال هذه المواقف، يتضح أن تأثير «هيكل» لم يكن قائماً فقط على قربه من القادة، بل على قدرته على تحويل المعرفة إلى خطاب، والخطاب إلى قوة ناعمة تؤثر في اتجاهات الرأي العام، بل وتقنعه أحياناً.


