عبدالله السناوي: حسنين هيكل لم يكن مجرد ناقل للأحداث.. والزمن أنصف تجربته
عبدالله السناوي: حسنين هيكل لم يكن مجرد ناقل للأحداث.. والزمن أنصف تجربته
قال الكاتب الصحفي عبدالله السناوي إن الزمن لم يضعف تجربة الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، بعد عشر سنوات من رحيله، بقدر ما وضعها في اختبار حقيقي، وربما أنصفها أكثر مما كان يتوقع هو نفسه، فأهم اختبار لأي مفكر أو كاتب أو فاعل رئيسي في مسار الأحداث هو اختبار الزمن بعد رحيله.
وأضاف «السناوي» في حوار لـ«الوطن»، أن «الأستاذ» لم يكن مجرد ناقل أحداث بل كان يمتلك أدوات السرد، ويعرف كيف يقرأ الوثيقة.
■ بعد عشر سنوات على رحيله.. هل تعتقد أن الزمن أنصف تجربة «هيكل» أم زاد الجدل حولها؟
بعد عشر سنوات على رحيل محمد حسنين هيكل، أستطيع القول إن الزمن لم يضعف تجربته بقدر ما وضعها في اختبار حقيقي، وربما أنصفها أكثر مما كان يتوقع هو نفسه، فأهم اختبار لأي مفكر أو كاتب أو فاعل رئيسي في مسار الأحداث هو اختبار الزمن بعد رحيله، وفي حالة «هيكل» نلاحظ أن كثيراً من مقولاته وتحذيراته تستعاد اليوم بقوة، خصوصاً عبر منصات التواصل الاجتماعي، في سياق الأحداث الحالية، لأنه تكلم عنها بالفعل.
عبدالله السناوي: الاقتراب من السلطة ليس تهمة
ما يحدث في الإقليم من أزمات ممتدة وصراعات مفتوحة أعاد تسليط الضوء على رؤيته للصراع العربي - الإسرائيلي، وعلى تحذيراته المبكرة بشأن اختلال موازين القوة، ومخاطر التفكك العربي، «هيكل» انحاز بوضوح إلى المشروع القومي العربي الذي تجسد في أفضل صورة خلال تجربة جمال عبدالناصر، وكان تحليله للأحداث ينطلق من هذا الإطار الفكري، ومع تعاقب السنوات بدا أن كثيراً من قراءاته لم تكن مجرد مواقف سياسية آنية، بل رؤية استراتيجية طويلة المدى.
■ هل كان «هيكل» أقرب إلى صانع رواية أم كاتب وقائع؟ وهل يمكن الفصل بين الاثنين في حالته؟
- في تقديري، لا يمكن وضع محمد حسنين هيكل في خانة واحدة باعتباره إما صانع رواية أو كاتب وقائع، لأن تجربته جمعت بين الاثنين بصورة يصعب فصلها، «هيكل» كان يعرف نفسه أولاً كصحفي مهني، مهنته الأساسية التحقيق في الوقائع وتوثيقها، منذ بداياته في تغطية حرب فلسطين، مروراً بالحروب والتحولات الكبرى في المنطقة، تعلم أن التوثيق ليس عملاً هامشياً في الصحافة، بل هو جوهرها، لذلك اعتاد تسجيل ملاحظاته وانطباعاته بدقة، والاحتفاظ بالوثائق، وترتيبها بطريقة تمكّنه من استدعائها وتحليلها في سياق أشمل، من هذه الزاوية، هو كاتب وقائع شديد الانضباط، لكن في الوقت نفسه، لم يكن مجرد ناقل أحداث بارد، كان يمتلك أدوات السرد.
■ إلى أى مدى كان قربه من الرئيس جمال عبدالناصر مصدر قوة له.. وإلى أى مدى كان عبئاً عليه لاحقاً؟
- لا أتصور أن قرب محمد حسنين هيكل من جمال عبدالناصر كان عبئاً عليه، بالعكس، هو نفسه لم ينظر إلى هذه العلاقة باعتبارها عبئاً، بل باعتبارها جزءاً طبيعياً من سياقه التاريخي ودوره في تلك المرحلة.. «هيكل» كان جزءاً من مشروع سياسي وفكري كبير آمن به، ولم يخف هذا الانحياز، العلاقة بينه وبين «عبدالناصر» لم تكن علاقة تابع بمتبوع، وإنما علاقة ثقة وفهم عميق، حتى إن «عبدالناصر» كان يرى فيه شخصاً قادراً على استيعاب طريقته بسرعة، هذا القرب منحه اطلاعاً على صناعة القرار، وسمح له بأن يكتب من داخل التجربة لا من خارجها، و«هيكل» كان يعتبر علاقته بـ«عبدالناصر»، فرصة لفهم لحظة فارقة فى تاريخ مصر والعالم العربي.
السياسة بلا ذاكرة تتحول إلى رد فعل يومي
■ في تقديرك.. ما أكبر فكرة حذر منها «هيكل» ولم ننتبه إليها في وقتها؟
أكبر فكرة حذر منها «هيكل» هي فكرته الجوهرية بأن التاريخ هو الأستاذ الحقيقي للسياسة، هو كان يري أن السياسة بلا ذاكرة تتحول إلى رد فعل يومي، وأن تجاهل دروس الماضي يجعل الأمم تكرر أخطاءها، وكان دائماً يؤكد أن الوقائع التي مضت ليست حكايات للتأمل، بل خبرات يجب تحليلها واستخلاص نتائجها لبناء رؤى للمستقبل، كما أنه حذر مبكراً من أن التفكك العربي، وغياب مشروع جامع، واختلال ميزان القوة في الإقليم، ليست أحداثاً عابرة، بل مسارات تاريخية إذا لم تُقرأ جيداً ستقود إلى نتائج أكثر قسوة، وكان يعتبر أن من لا يفهم جذور الصراع وتكوينه التاريخي لن يستطيع إدارة حاضره ولا حماية مستقبله، ربما في ذلك الوقت لم ننتبه إلى عمق هذه الفكرة، لأن الانشغال بالحدث اليومي كان يغلب على التفكير الاستراتيجي، لكن مع تكرار الأزمات، يتضح أن تحذيره الأساسي لم يكن من واقعة بعينها، بل من إهمال قراءة التاريخ بوصفه أداة لصناعة القرار.
مثقف انخرط في مشروع سلطة
«هيكل» كان مثقفاً انخرط في مشروع سلطة، لا مثقف سلطة بالمعنى التابع أو الوظيفي، الاقتراب من السلطة في حد ذاته ليس تهمة، وإلا لكان علينا أن نسقط عن كثير من كبار المثقفين أدوارهم التاريخية، المسألة ليست في القرب أو البعد، بل في طبيعة هذا القرب، «هيكل» لم يكن موظف دعاية، بل كان شريكاً في صياغة مشروع سياسي آمن به، هو المشروع الناصري، ولم يخف هذا الانحياز، ولم يدع الحياد البارد، كان يرى أن المثقف لا يفقد صفته إذا اقترب من مركز القرار، وإنما يفقدها إذا اختار الصمت أو التبرير الأعمى.