دراسة: 91% من المصريين معرضون للسقوط في فخ الاحتيال الإلكتروني
دراسة: 91% من المصريين معرضون للسقوط في فخ الاحتيال الإلكتروني
في ظل التسارع المتواصل للتحول الرقمي، وما صاحبه من توسع غير مسبوق في استخدام الخدمات الإلكترونية، ووسائل الدفع الرقمية، والتطبيقات الذكية، برز الاحتيال الإلكتروني كأحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، لما يمثله من تهديد مباشر للأمن المالي للمواطنين، وتقويض متزايد للثقة في المنظومات الرقمية الناشئة. وفي مصر، لم يعد هذا النوع من الجرائم ظاهرة عابرة أو هامشية، بل تحول إلى ملف متصاعد يفرض نفسه بقوة على أجندة الدولة، في ظل تطور أساليب الجناة واتساع نطاق الضحايا.
«الداخلية» تلقت 7 آلاف بلاغ خلال عام واحد
لا يمكن قراءة مشهد الاحتيال الإلكتروني في مصر بمعزل عن السياق العالمي، إذ تشير تقارير دولية إلى أن الجرائم السيبرانية تكبد الاقتصاد العالمي خسائر تُقدر بمليارات الدولارات سنوياً. ومع التوسع المتسارع في الخدمات المصرفية الرقمية، والتجارة الإلكترونية، ومنصات الاستثمار عبر الإنترنت، أصبحت المجتمعات، لا سيما في الدول النامية، أكثر عرضة لأنماط جديدة من الاحتيال تعتمد على استغلال الثقة الرقمية، والفراغ المعرفي لدى بعض المستخدمين، وسرعة تداول المعلومات عبر الفضاء الإلكتروني.
كشفت البيانات الإقليمية الصادرة عن شركة «كاسبرسكي» للأمن السيبراني عن حجم التحدي الذي يواجه المستخدمين في مصر، حيث أظهر نحو 57% من المستخدمين أنهم تعرضوا لمحاولات تصيُّد احتيالي خلال عمليات الدفع الإلكتروني، بينما واجه 54% منهم مواقع إلكترونية مزيفة صُممت خصيصاً لسرقة البيانات الشخصية أو الاستيلاء على الأموال أثناء المعاملات عبر الإنترنت، بما يعكس تصاعد المخاطر المرتبطة بالأنشطة الرقمية اليومية.
91% من المصريين معرضون للاحتيال الإلكتروني
تتسق المؤشرات مع ما توصلت إليه دراسة دولية أعدتها شركة «فيزا» تحت عنوان «ابق آمناً»، التي أظهرت أن 91% من المستهلكين المصريين معرضون للوقوع في فخ الاحتيال الإلكتروني، نتيجة مزيج من الثقة الزائدة في المحتوى الرقمي، وسوء تقدير الرسائل غير المتوقعة، وضعف القدرة على التمييز بين المنصات الشرعية وتلك الوهمية. وأفاد أكثر من نصف المشاركين في الدراسة بتعرضهم لمحاولة احتيال واحدة على الأقل خلال السنوات الأخيرة.
4.6 مليون جنيه حجم الخسائر في قضيتي «FBC وVSA» خلال عام 2025 وعلى الصعيد المحلي، تعكس البيانات الرسمية حجم الضغط المتزايد على الأجهزة الأمنية، إذ كشفت تقارير إعلامية وبيانات صادرة عن وزارة الداخلية، عن تلقي الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات ما يقرب من 7 آلاف بلاغ خلال عام واحد فقط تتعلق بجرائم النصب والاحتيال الإلكتروني، وتمكنت الأجهزة المختصة من ضبط نحو 500 متهم، من بينهم تشكيلات إجرامية منظمة تخصصت في الاحتيال عبر الإنترنت، مستخدمة أدوات رقمية متقدمة، وشبكات تواصل عابرة للمحافظات.
لا يقتصر الاحتيال الإلكتروني في مصر على الرسائل النصية المضللة أو الروابط الوهمية، بل تطور ليشمل إنشاء منصات رقمية متكاملة تحاكي نماذج الاستثمار أو التسويق الإلكتروني، وتُدار بأساليب احترافية تستهدف شريحة واسعة من المستخدمين الباحثين عن فرص ربح سريعة، مستغلة حالة التوسع في ثقافة الاستثمار الرقمي.
2 مليون جنيه خسائر لـ100 مواطن
وفي هذا السياق، شهد مطلع عام 2025 مناقشات موسعة داخل مجلس النواب عقب الجدل الذي أثير حول منصة «FBC» الاستثمارية، حيث تقدم أكثر من 100 مواطن ببلاغات رسمية أفادوا فيها بتعرضهم لخسائر مالية تُقدر بنحو مليوني جنيه مصري، بعد الترويج للمنصة باعتبارها فرصة استثمارية مضمونة بعوائد مرتفعة، قبل أن يتبين عدم وجود نشاط اقتصادي حقيقي يدعم تلك الوعود.
وفي وقت لاحق من العام ذاته، باشرت النيابة العامة تحقيقاً موسعاً في قضية مماثلة تتعلق بمنصة «VSA»، عقب تلقي بلاغات من 57 شخصاً أشاروا إلى خسائر بلغت نحو 2.627 مليون جنيه مصري، لتسفر التحقيقات عن تحديد 23 متهماً، والتحفظ على الهواتف المحمولة والمحافظ الإلكترونية المستخدمة في تلقي الأموال، مع توجيه تحذير رسمي للمواطنين بعدم الانسياق وراء الإعلانات الاستثمارية المضللة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتعكس هذه القضايا تحولاً نوعياً في أنماط الاحتيال الإلكتروني، حيث لم يعد الجناة يعتمدون على محاولات فردية أو بدائية، بل باتوا ينشئون هياكل رقمية متكاملة تحاكي الكيانات الشرعية، وتستفيد من سرعة تداول المعلومات، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وصعوبة التحقق الفوري من مصداقية المنصات الرقمية.
تفعيل الآليات القضائية
وفي مواجهة هذا التحدي المتنامي، تعتمد الدولة استراتيجية شاملة ترتكز على عدة محاور متكاملة؛ تشمل إنفاذ القانون، وتفعيل الآليات القضائية، وتطوير الإطار التشريعي، وتعزيز التنسيق مع القطاع المصرفي، إلى جانب التوعية المجتمعية وبناء الوعي الرقمي، فيما تُعد الإدارة العامة لمكافحة جرائم الحاسبات وشبكات المعلومات بوزارة الداخلية الركيزة الأساسية للجهود الأمنية في هذا المجال، حيث تضطلع بتتبع الجرائم الرقمية، وتحليل الأدلة الفنية، والتنسيق مع شركات الاتصالات والبنوك، بخلاف التعاون مع الجهات الدولية المختصة في مواجهة الجرائم العابرة للحدود.
وفي إحدى القضايا البارزة خلال عام 2024، نجحت هيئة الرقابة الإدارية في ضبط متهم أنشأ واحدة من أكبر منصات الاحتيال الإلكتروني عالمياً، كانت متخصصة في سرقة البيانات الشخصية عبر مواقع وهمية وبرمجيات خبيثة، وتجاوزت قيمة تعاملاتها مئات الآلاف من الدولارات، في واقعة سلطت الضوء على خطورة التهديدات الرقمية وتعقيدها.
وتضطلع النيابة العامة بدور محوري في إدارة هذا النوع من القضايا، من خلال إصدار أوامر الضبط والإحضار، والتحفظ على الأموال المتحصَّلة من الجريمة، وإجراء الفحص الفني للأدلة الرقمية، تمهيداً لإحالة المتهمين إلى المحاكمة، بما يعزز مبدأ سيادة القانون وحماية حقوق المتضررين، حيث دفعت القضايا الكبرى التي شهدها المجتمع لمطالب برلمانية بإعادة النظر في بعض مواد قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018؛ بهدف تشديد العقوبات، وسد الثغرات القانونية التي قد يستغلها المجرمون، بما يتواكب مع التطور المتسارع في أنماط الجرائم السيبرانية.
تعزيز أنظمة مراقبة المعاملات المالية
وبالتوازي مع ذلك، عزز البنك المركزي المصري، بالتعاون مع البنوك التجارية، أنظمة مراقبة المعاملات المالية لرصد الأنماط المشبوهة المرتبطة بعمليات الاحتيال، مع تطبيق إجراءات تحقق إضافية مثل كلمات المرور لمرة واحدة (OTP)، التي أظهرت الدراسات تفضيل أكثر من 80% من المستخدمين لها باعتبارها وسيلة فعالة لتعزيز أمان المعاملات الرقمية.
وأدركت الدولة أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي، فتم إطلاق حملات توعوية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تستهدف تعريف المواطنين بعلامات الاحتيال الشائعة، مثل الرسائل المفاجئة التي تطلب بيانات شخصية، أو الوعود بأرباح سريعة دون مخاطر، أو الصفحات التي تنتحل صفة جهات رسمية أو مؤسسات مالية معروفة.
وفي هذا الإطار، أصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ممثلاً في المركز الوطني للاستعداد لطوارئ الحاسبات والشبكات (EG-CERT)، بياناً حذر فيه من محاولات اختراق متقدمة أعلنت عنها شركتا Google وApple، تستهدف مستخدمي الهواتف الذكية في أكثر من 150 دولة، من بينها مصر، وتعتمد على استغلال ثغرات غير معروفة وإرسال روابط ورسائل خبيثة تبدو كأنها من جهات موثوقة.
تحديث الهواتف والتطبيقات باستمرار
وشدد الجهاز على أن تحديث الهواتف والتطبيقات بشكل مستمر يمثل خط الدفاع الأول ضد محاولات الاختراق، مع أهمية تفعيل إعدادات الأمان المتقدمة، مثل وضع «Lockdown Mode» على أجهزة iPhone، وخيارات الحماية المتقدمة على أجهزة Android، بجانب توخي الحذر عند التعامل مع الروابط والمرفقات، واستخدام وسائل التحقق الإضافية للحسابات المهمة.