من هي الكاتبة الراحلة قوت القلوب الدمرداشية؟.. أشاد بها عميد الأدب العربي

كتب: إلهام الكردوسي

من هي الكاتبة الراحلة قوت القلوب الدمرداشية؟.. أشاد بها عميد الأدب العربي

من هي الكاتبة الراحلة قوت القلوب الدمرداشية؟.. أشاد بها عميد الأدب العربي

في كتابه «فصول في الأدب والنقد» الصادر في 1945، تحدث الدكتور طه حسين، عميد الأدب العربي، عن الكاتبة قوت القلوب الدمرداشية (1892 - 1968)، مؤكدا أن في مصر كاتبات أديبات ينتجن آثارًا قيمة خصبة لعلها أن تبلغ من الإجادة والإتقان أكثر مما تبلغ آثار الأدباء، ومنهن قوت القلوب الدمرادشية التي أشاد بمنتجها الإبداعي، لكنه أخذ عليهن الكتابة بلغة أجنبية وتحديدا الفرنسية والتي لا يعرفها إلا قلة من أبناء الأمة المصرية.

وخصص طه حسين فصلا بعنوان «حريم.. قوت القلوب الدمرادشية»، قائلا: قوت القلوب تكتب باللغة الفرنسية فيقرؤها الفرنسيون، ويرضون عنها، وقد يُعجَبُون بها، ويُثْنُون عليها، كهذا الكتاب الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم، فقد كتبته السيدة قوت القلوب الدمرداشية باللغة الفرنسية، ونشرته في باريس، ووصل إلى مصر من باريس، ولم يصل إلى باريس من مصر.

وتابع العميد: ومهما يكن من شيء فإني أريد أن أحدِّثك في هذا الفصل عن كتاب أنشأته السيدة قوت القلوب الدمرداشية باللغة الفرنسية، فظفر بإعجاب قرائه، وظفر بإعجاب القراء المصريين والنقاد المصريين. ومما يحزن ويسر أن هذا الكتاب ليس أول كتب السيدة ولا آخرها؛ فقد نشرت قبله كتابًا آخر باللغة الفرنسية، وإذا صح ما انتهى إليَّ من الأنباء فهي آخذة في نشر كتاب ثالث باللغة الفرنسية أيضًا.

والسيدة قوت القلوب مصرية تشهد لقومها أو تشهد عليهم لا أدري، هي تصور حياتهم كما رأتها، وتصورها تصويرًا دقيقًا صادقًا مطابقًا للواقع من أمرها، لا تنحرف فيه عن الحق، ولا تحيد فيه عن الأشياء التي لا سبيل إلى إنكارها. ولعلنا إن أخذناها بشيء أن نأخذها بالإسراف في الصدق والغلو في الدقة، إن كان من الممكن أن يكون في الصدق إسراف وفي الدقة غلو.

طه حسين: كتاب قوت القلوب يعطي أدق صورة وأصدقها لحياة الكثير من الأسر المصرية في جِدِّها وهزلها

ويوضح الدكتور طه حسين أن الكتاب «يعطي أدق صورة وأصدقها لحياة الكثير من الأسر المصرية في جِدِّها وهزلها، وفي العظيم من أمرها واليسير» مشيرا إلى تفاصيل الممارسات الاجتماعية التي يصورها كتاب قوت القلوب، متسائلا: «أمن الخير أن يعرف الأجانب عنا هذه الهَنات، وأن يظهروا من دخائلنا على هذه الأسرار؟»

والشيء الذي لا شك فيه أن طلاب الفولكلور سيقدرون للسيدة قوت القلوب كتابها، وسيشكرون لها جهدها؛ فقد أهدت إليهم وثيقةً خصبةً لن يقصِّروا في استغلالها والانتفاع بها فيما يكتبون من بحوث، فقد صورت لهم خرافاتنا وسخافاتنا في دقة لا مزيد عليها. لم تهمل العناية بالورد والياسمين والبصل والثوم في شم النسيم، ولم تهمل سحر السحرة، وشعوذة المشعوذين، وما يكون لهما من أثر خطير في العلاقات الزوجية في بعض الأسر. ماذا أقول! بل هي لم تهمل ولادة المولود، وما يحيط بها من الخوف، وما يحيط بها من الهذيان.

ولو أن السيدة قوت القلوب كتبت كتابها هذا باللغة العربية، لاضطرت إلى أن تلغي منه الشيء الكثير مراعاةً للذوق المصري والعرف المصري، فلمن كتبت هذا الكتاب؟ كتبته لنفسها أولًا، كما يصنع كل أديب حين يسجل خواطره وآراءه، وكتبته للقُرَّاء الأجانب بعد ذلك في أكبر الظن. ولست أدري أراضية هي عن أثرها الأدبي؟ ولكني أعلم أن الأجانب الذين قرءوه راضون عنه كل الرضا، يرون فيه لذة فنية، ويرون فيه لذة علم بما لم يكونوا يعلمون، ويرون فيه هذه اللذة التي نحسها حين ينبئنا منبئ بالأشياء الغريبة الطريفة النادرة، فنَوَدُّ لو نعلم أكثر ممَّا علمنا، ونسمع أكثر ممَّا سمعنا، ونرى أكثر مما رأينا.

رأي طه حسين في كتابة قوت القلوب الدمرداشية

وعن رأيه الشخصي في الكتاب، قال طه حسين: «فأما من الناحية الفنية الخالصة، فأنا راضٍ عن الكتاب، مُثْنٍ عليه، آسِفٌ لأنه لم يُكتب باللغة العربية، حريص على أن يترجم إلى هذه اللغة. وأما من الناحية المصرية الخالصة فقد أتحفَّظ في هذا الرضا بعض الشيء؛ لأن الأجانب يسجلون علينا ما سجلته، فلندَع لهم ذلك. وفي حياة المصريين ما نستطيع أن نقدِّمه إلى الأجانب، فنسرهم ونرضيهم، ولا نضحكهم. ولست أرى بأسًا بأن يكتب هذا الكتاب في لغتنا العربية؛ لنظهر على نقائصنا فنصلحها، وعلى محاسننا فنتزيَّد منها».

وأكمل طه حسين: ولست أرى بأسًا بأن يترجم هذا الكتاب عن لغتنا إلى اللغات الأجنبية؛ فيعرف الأجانب أننا لا نشفق من تسجيل عيوبنا، والجد في إصلاحها. فأما أن نصور هذه النقائص مباشرةً في لغة أجنبية لا لنظهر نحن عليها، بل ليظهر عليها غيرنا، فهذا الذي أقف منه موقف التحفُّظ، ومن المحقَّق أني لن أُقدِم عليه، وليقل الناس إني ضعيف؛ فإني أوثِر مثل هذا الضعف.