يوسف إدوارد يكتب: الدكتور القس صموئيل حبيب المصريين
يوسف إدوارد يكتب: الدكتور القس صموئيل حبيب المصريين
هناك رجال تتجاوز حياتهم حدود الزمان والمكان، رجال يتركون أثرًا خالدًا في القلوب قبل العقول، ويزرعون الأمل في كل لحظة من حياتهم. واحد من هؤلاء هو الدكتور القس صموئيل حبيب… الرجل الذي صار بحق حبيب المصريين، أيقونة العطاء والتفاني، ورسالة حيّة عن أنّ الإيمان الحقيقي لا يكتفي بالروح، بل يمتد ليغير حياة الناس.
ولد الدكتور حبيب في بني سويف عام 1928، وفي قلبه منذ الطفولة شعلة لا تنطفئ: أن يكون الإنسان محور كل عمل، وأن تكون الخدمة رسالة تتجاوز كل اعتبار شخصي أو مادي. لم يكن يسعى إلى الشهرة أو المكافأة، بل كان يسبق عصره من حياته كل يوم للعطاء، ليضيء حياة الآخرين ويصنع فرقًا ملموسًا في المجتمع.
في عام 1950، أسس الدكتور حبيب الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، لتصبح منذ لحظتها صرحًا وطنيًا رائدًا في العمل الإنساني والتنموي. لم تكن الهيئة مجرد مؤسسة تقدم خدمات، بل كانت رسالة: من القرى المهمشة في صعيد مصر إلى أحياء القاهرة المكتظة، من الأطفال إلى النساء، ومن ذوي الاحتياجات الخاصة إلى كبار السن، كانت كل مبادرة تحمل توقيع قلب ينبض بالإنسانية، وعقل يخطط لمستقبل أفضل.
آمن حبيب بأنّ التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بالعلم والفكر والعمل معًا. فأطلقت الهيئة برامج لمحو الأمية، ودورات تدريبية للشباب، ومبادرات تعليمية للصحة والاجتماع، كما طوّرت برامج للحوار بين الأديان والثقافات، لتزرع التفاهم في مجتمع متنوع. كان يؤمن أنّ الحب للوطن يبدأ بالحب للناس، وأنّ الخدمة الإنسانية هي ترجمة الإيمان إلى فعل ملموس.
مسيرته الأكاديمية غنية بالإنجازات: جمع بين الدراسات اللاهوتية والاجتماعية والصحفية، ما أهله لإطلاق برامج تدريبية للقيادات التطوعية، وتطوير الجمعيات الأهلية لتكون أدوات فعالة للتغيير. ومن أبرز مبادراته الخالدة برنامج «الرعاية بالمحبة»، الذي درّب الشباب على رعاية كبار السن في منازلهم، ليصبح نموذجًا حيًا لكيفية تحويل المبادرة الفردية إلى عمل مجتمعي مستدام.
وعلى صعيد الحياة الكنسية، تولى رئاسة الطائفة الإنجيلية بمصر، وأسس هيئات ومؤسسات تنموية، وساهم في تأسيس روابط واتحادات دولية تهدف لخدمة الإنسان، لا لمجد شخصي، بل لإحياء روح التعاون والخدمة الحقيقية.
لم ينسَ التعليم، فقد بدأ أول برامج لمحو الأمية في صعيد مصر، وأصدر مجلة «رسالة النور» لمتابعة المتعلمين الجدد، مؤكدًا أنّ المعرفة هي الضوء الذي يحرر الإنسان، وأنّ كل فرصة للتعلم تستحق أن تُعطى بسخاء وصدق.
رحل الدكتور القس صموئيل حبيب عام 1997، لكنه ترك إرثًا خالدًا: إرث الصدق، الأمانة، الوطنية، والعمل الميداني الذي يُحدث فرقًا حقيقيًا. الدولة كرّمته بمنحه نوط الامتياز، والجامعات منحت اسمه الدكتوراه الفخرية، واحتُفل باسمه في المدارس والبرامج التعليمية، ليظل ذكره حيًا في كل مكان تنبض فيه الإنسانية بالعطاء.
واليوم، يواصل الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر ورئيس الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الإجتماعية، نفس الرؤية، نفس الروح، ونفس العطاء، محافظًا على خط الدكتور حبيب، مضيفًا لمسة العصر والحداثة، مع التزام جاد برسالة وطنية وإنسانية واضحة: مصر قادرة على صناعة فرق حقيقي عندما يجتمع الإيمان بالعمل الصادق والتفاني بلا حدود.
وفي آخر احتفال، شهدت الهيئة اليوبيل الفضي لجائزة صموئيل حبيب للتميز في العمل الاجتماعي التطوعي، حضور وزيرة التضامن الاجتماعي ومحافظ القاهرة وعدد من الشخصيات العامة، لتكريم من حملوا شعلة الدكتور حبيب، ومن واصلوا نشر رسالته: أن كل فعل صادق، كل خدمة صافية، وكل مبادرة وطنية هي حجر بناء لمصر أفضل، ولحياة أكرم للإنسان.
الدكتور القس صموئيل حبيب لم يكن مجرد رجل، بل كان رسالة وطنية وإنسانية، ونموذجًا حيًا للعطاء والإخلاص. درسنا أنّه بالصدق والأمانة والإيمان والعمل يمكن لأي إنسان أن يترك أثرًا خالدًا، وأن يصبح بحق الدكتور القس صموئيل حبيب المصريين.
يوسف إدوارد مدير الإعلام بالهيئة القبطية الإنجيلية