«أساطير الحرب والسياسة والدين».. كتاب لـ أحمد لاشين يفك شفرة الخطاب الإيراني

كتب: أحمد عاطف

«أساطير الحرب والسياسة والدين».. كتاب لـ أحمد لاشين يفك شفرة الخطاب الإيراني

«أساطير الحرب والسياسة والدين».. كتاب لـ أحمد لاشين يفك شفرة الخطاب الإيراني

يمثل كتاب «إيران .. أساطير الحرب والسياسة والدين»، الصادر عن دار «كنوز» للنشر تجربة مهمة للدكتور أحمد لاشين أستاذ الدراسات الإيرانية والخبير في الشأن الإيراني، لتناول إيران من كل المساحات التي يحتاجها القارئ العربي والتعرف عليها من الجانب السياسي والمذهبي والقومي والأسطوري، وكذلك على المستوى الفني والأدبي، ليقدم الكاتب لقارئة رحلة بل إبحار في أعماق الدولة والمجتمع الإيراني معا.

المساحات المشتركة مع الثقافة المصرية

ويتطرق الكاتب والباحث المتخصص في الشأن الإيراني مساحات التواصل والتنافس بين الثقافة المصرية والإيرانية، وكذلك أسس الصراع بين أمريكا وإيران، إذ لا يتعامل مع السياسية بوصفها الهدف النهائي والمصدر الوحيد للمعرفة، بل يعتبر السياسة جزء من خطاب معرفي وثقافي أعمق بكثير من السطح السياسي المعروض الذي تتعامل من خلاله إيران دوليا وإقليميا.

ولا يتعامل الكاتب مع الأسطورة بوصفها مجرد حكايات قديمة أو زخرف ثقافي انطوى مع صفحات التاريخ، بل بوصفها محرك أصيل في العقلية الإيرانية التي تتحكم فيها الأسطورة والثقافة القديمة والوعي القومي وتعد من محددات اتخاذ القرارات المصيرية.

كيف تفكر إيران؟

يشتبك الكاتب مع كل المساحات الخطيرة والمتعارضة أحياناً في عمق الثقافة الإيرانية، المنسحبة على الثقافة الإسلامية بشكل عام، بداية بالمعراج الزرادشتي ورحلة كاهن زرادشتي إلى الحنة والجحيم ، تلك الرحلة التي ترصد التصور الإيراني عن العالم الآخر، وأشكال العذاب والنعيم، وصورة الإله في الوعي الشعبي الإيراني، التي تتقاطع أحيانا مع بعض التصورات الشعبية الإسلامية عن رحلة المعراج النبوي.

ويصل الكاتب مع قارئه إلى قضايا تخص مناطق الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة، مثل أصل الخلاف على مصحف فاطمة أو ما يمكن تسميته بالقرآن الشيعي.

الجذور الفكرية لفكرة الولي الفقيه

ويحاول الكاتب أن يناقش الجذور الفكرية لفكرة الولي الفقيه، التي تحكم إيران سياسيا، بداية من التأسيس المذهبي لفكرة المهدي المنتظر في الفكر الشيعي، وكيف تطور ذلك التصور ليصل إلى نظام حكم كامل تعتمد عليه إيران سياسياً وفكريا كنظام حكم مبني على فكرة نائب الإمام أو الولي الفقيه أو مرشد الثورة الإيرانية، والكتاب يدخل أكثر المساحات الفكرية خطورة في عمق الفكر السياسي والمذهبي ، في محاولة للوصول إلى أسس الأيدولوجيا الحاكمة للنظام السياسي الإيراني.

البحث عن النمط الأسطوري الذي يحكم الفكر الإيرانية يعتبر هو الهدف الأساسي للكتاب، خاصة لدى تعامل النظام الإيراني مع فكرة الحرب، نموذج الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة ، فإيران تتعامل مع فكرة الحرب بوصفها مصير مقدس وليس مجرد اختيار سياسي أو عسكري، فالكتاب يرصد كيف وحدت إيران بين مفهوم القومية والمذهبية في سياق التعامل مع الحرب الأخيرة، وكيف استفاد النظام من مرجعية ثقافية معقدة ليتمكن من صنع حالة توحد شعبي خلف النظام، وكيف استطاع هذا النظام الديني المعقد أن يستخدم هويات زرادشتية قديمة وكذلك أسطورية في خطاب سياسي واحد في حالة حرب يراها النظام مقدسة.

تعامل إيران مع أمريكا

الأمر لا يتوقف عند حدود السياسية ، خاصة لدى تعامل إيران مع أمريكا على سبيل المثال، وكيف أثرت أساطير السوبرمان الأمريكية ، والأبطال القوميين الإيرانيين، في مناطق الصراع الفكري والعسكري بين إيران والولايات المتحدة، فيعمد إلى عرض التأسيس الأسطوري الذي اعتمدت عليه كلا الدوليتن في مساحات التفاوض والصراع. فما نلاحظة من مناطق خلاف يتعدى منطقة السياسية الصرفة والمصالح البراجماتية إلى نقاط أعمق بكثير.

المرأة والمعارضة في إيران

كما حاول الكتاب أن يطرح الجانب الخاص بالمرأة في إيران، وموقفها الفني والاجتماعي والسياسي ، وعمق تأثرها بالأنماط الدينية الحاكمة للمنظومة الاجتماعية الإيرانية، سواء على المستوى الأدبي أو أفق الحريات الاجتماعية، فالمرأة في إيران ، ليست مجرد كيان اجتماعي ، ولكن صورة تعكس نظام الحكم ذاته.

بالإضافة أن الكتاب حاول الوصول إلى مساحات المعارضة في الخارج الإيراني، فنسبة المهاجرين الإيرانين يتجاوز 6 ملايين إيراني موزعين بين أمريكا وأوروبا والخليج، ولهم إنتاجهم الثقافي والسياسي والسينمائي، فحاول الكتاب مناقشة السينما الإيرانية في المهجر، بوصفها وجه المعارضة الصامت في الخارج ، والذي ينعكس نسبياً على تيارات المعارضة في الداخل.

وكذلك التركيز على مساحات الإلتقاء الثقافي بين مصر وإيران، فكيف أثر الشعر الإيراني حافظ الشيرازي في ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ، وكيف وصل محفوظ لعمق الفكر والفلسفة الإيرانية لينعكس على أدبه بشكل عام. وكذلك المساحات الفنية المتقاطعة بين الثقافتين، خاصة على الجانب الفني، وكيف وصل صوت أم كلثوم إلى الموسيقى الإيرانية قبل وبعد الثورة الإيرانية.

منهج الكاتب

ويقول الكاتب في مقدمة كتابه إنه يعتمد على منهج تفكيكي–تحليلي، وعلى رؤية ثقافية عميقة؛ لا يحاكم إيران من خارجها، ولا يكتفي بإدانتها أو تبريرها، بل يحاول أن يقرأها من داخل خطابها، وأن يفهم كيف ترى نفسها، وكيف تعيد رواية تاريخها، وكيف تشرعن أفعالها أمام ذاتها قبل أن تقدمها للعالم. ولهذا يوظف أدوات متعددة، من قراءة النصوص الدينية والأسطورية، إلى تحليل الخطاب السياسي والإعلامي، وتتبع الطقوس والممارسات الرمزية، وربطها بالسلوك الرسمي للدولة، دون السقوط في فخ التفسير الاختزالي أو الحتمية الثقافية.

هل إيران مرشحة لانفجار قريب

ويختم الكتاب بسؤال غاية في الأهمية، هل إيران مرشحة لانفجار قريب، خاصة بعد مرحلة الاحتجاجات الأخيرة، وهل ستلجأ إيران إلى الحرب بوصفها باب الخروج من الازمات الداخلية.

والخلاصة أن الكتاب يأخذ القارئ في رحلة إلى عمق الفكر والمذهب والثقافة الإيرانية، بكل تفاصيلها من الأسطورة ومعابد النار إلى آيات الله والحوزة الدينية.

الدكتور أحمد لاشين