حكايات رمضانية | أشرف غريب يتذكر: الشيخ محمد رفعت في حنطور «الريحاني»

كتب: محرر

حكايات رمضانية | أشرف غريب يتذكر: الشيخ محمد رفعت في حنطور «الريحاني»

حكايات رمضانية | أشرف غريب يتذكر: الشيخ محمد رفعت في حنطور «الريحاني»

لا يشعر المصريون ببداية الشهر الكريم إلا إذا ترامى إلى أسماعهم صوت قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت من مذياع بيته أو من ميكروفون مسجد، أو من مقهى أو محل تجاري، صحيح أن صوت المقرئ الجليل لا ينقطع طوال العام، لكن ثمة ارتباطاً شرطياً لافتاً حدث دون عمد أو قصد بين شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن وصوت الشيخ رفعت للدرجة التي تجعلنا نتنسم هواء الشهر الفضيل في غير أوقاته بمجرد سماعنا لصوت هذا الرجل الذي أضاء قلوب المسلمين في كل بقاع الأرض بنور القرآن الكريم، وقد بلغت شهرة الشيخ رفعت وتأثيره في سامعيه أن جعلت من مسجد فاضل باشا بحي درب الجماميز الذي كان يقرأ فيه القرآن قِبلة لمئات الآلاف من المسلمين، حتى أضحى هذا المسجد الصغير منافساً مهماً لمسجدَي الإمام الحسين والسيدة زينب رضي الله عنهما في زمن الشيخ محمد رفعت الذي كان يتبارك به الناس ويضعون صورته على إمساكية الشهر الكريم في تأكيد منهم على منزلة الشيخ الجليل في نفوس كل مسلم.

ليس هذا فقط، بل إن أثر الشيخ محمد رفعت قد امتد إلى من هم غير مسلمين، وها هو نجم الكوميديا نجيب الريحاني المسيحي الديانة يحكي لمجلة «الاثنين» أن بداية تعارفه بسيد مقرئي القرآن الكريم كان في أمسيات شهر رمضان، وأن كثيراً من السهرات الرمضانية كانت تجمعه به حتى موعد السحور، ولم يكتفِ «الريحاني» بهذا التصريح، وإنما راح بعده بسنوات يكتب للمجلة ذاتها مقالاً مهماً عن الأثر الذي تركه فيه الشيخ رفعت وعن نزهاتهما المعتادة، فكتب يقول تحت عنوان نزهة الحنطور مع الشيخ رفعت:

«لا بد أن أعترف بفضل القرآن على تفكيري وطريقة عملي، فقد قرأته مترجَماً بالفرنسية عدة مرات ثم اتصلت بالإمام المراغي شيخ الجامع الأزهر فسهّل لي قراءته بالعربي، وأعطاني من أجل هذه الرسالة السامية الكثير، ومن القرآن تعلمت الكثير، تعلمت الصبر والجلد والشجاعة والقسوة في الحق وحب الفقير والنزعة إلى عمل الخير.

ولما قرأت القرآن مترجماً بالفرنسية وبالعربية أردت أن أستمع إليه مرتلاً، وكنت أستمع من حين لآخر للقرآن؛ حتى استمعت ذات ليلة في منزل أحد الأصدقاء إلى تلاوة منه بصوت الشيخ محمد رفعت، وما كاد هذا الصوت ينساب إلى صدري، حتي صممت على لقاء الشيخ رفعت وفعلاً التقيت به أكثر من مرة وتصادقنا.

والشيخ محمد رفعت غير صفته كقارئ معروف، كان عالماً كبيراً له العديد من الآراء في مختلف القضايا، أما صوته فهو الخلود بعينه، صوت له نبرات احتار في فهمها العلماء، وسألت عبدالوهاب يوماً عن سر حلاوة هذا الصوت فقال: إنها منحة إلهية وعبقرية لن تتكرر بعد الآن.

وكان الشيخ رفعت يقرأ القرآن في جامع صغير بشارع درب الجماميز، وكنت أذهب إلى هناك في عدد من أيام الجمع لأسمع هذا الصوت الخالد الحنون، الذي هزّ كياني وقلَب كل معنوياتي وجعلني أقدس هذه الحنجرة الغالية الخالدة المرهفة وهي ترتل أجمل المعاني وأرقها وأحلاها، وكانت هناك هواية تربطني بالشيخ رفعت فأنا وهو كنا نحب ركوب الحنطور، وكنت أدعوه كثيراً للتنزه في حنطوري، إن صوت الشيخ محمد رفعت كما قال لي عبدالوهاب صوت من معدن خاص لن يجود به الزمن بعد ذلك».

الأمر اللافت أن الشيخ الجليل لم يعش بعد صديقه نجيب الريحاني المتوفى في يونيو 1949 سوى عدة أشهر، رحل بعدها في التاسع من مايو 1950، وبعد خمسة أعوام من رحيل الشيخ رفعت وستة أعوام من وفاة الريحاني روى المؤلف بديع خيري رفيق رحلة «الريحاني» لمجلة «الجيل» أنه زار الشيخ رفعت في بيته أكثر من مرة بصحبة أخيه «نجيب» -على حد وصفه- لا سيما في شهر رمضان، ومضى قائلاً:

«في داره الهادئة المتواضعة بحي السيدة زينب كان يعيش إمام القراء وأحبهم إلى جماهير المستمعين للراديو في مصر والأقطار العربية الأستاذ الشيخ محمد رفعت، وكان قبل مرضه العضال يؤثر قضاء الوقت في هذه الدار بين قرينته وأولاده، فلا يكاد يغادرها إلا لإذاعة القرآن من محطة الإذاعة، أو لترتيله في سهرة يدعى لإحيائها، أو في مسجد الأمير فاضل بشارع درب الجماميز في يوم الجمعة، وكان يستيقظ من نومه مبكراً، فيصلي الصبح حاضراً، ثم يشرب القهوة، ويسلم نفسه بعض الوقت للحلاق، ثم ينتقل إلى حجرة الاستقبال حيث يُقبل عليه أصدقاؤه وزائروه، فيتحدث معهم، أو يستمعون إلى إذاعات الراديو، وكان الشيخ لا يأكل إلا مرة واحدة في اليوم يتأنق في اختيار ألوانها، وأحبها إليه الكنافة الرمضانية و(سد الحكنك)، وأحب الساعات إليه تلك التي كان يقضيها إلى جانب فونوغرافه الأثري مستمعاً إلى قدماء المطربين والملحنين، لكن ظروف مرضه ومأساة سنواته الأخيرة بدّلت كل هذه العادات».