تحية إلى أصحاب «صحاب الأرض»!
أنواع فنية متعددة، وموضوعات متنوعة، وقضايا مهمة، تطوف عبر دراما رمضان 2026. من الأكشن المتخم بالعضلات إلى العاطفي، ومن السياسي التاريخي إلى الاجتماعي العائلي، إلى الكوميدي الصاخب، والكوميدي الهادئ.
ولكني ألاحظ أن الكل يركز على «المضمون»: القصة، والرسالة، والعبرة. طبيعي ذلك، بما أننا نعيش في زمن البحث عن المضمون، بكل معاني الكلمة: الرزق المضمون، والسير في المضمون، وضمان قواعد الخلق والسلوك ووصايا لجنة الدراما.. وكل ذلك جميل، ومضمون النجاح!
ولكني أتعجّب أن أحدًا، من بين كل ما يقال ويُكتب عن دراما رمضان، لم يتحدث مثلًا عن «مغامرة فنية» أو طريقة جريئة في الكتابة، أو تجربة غير مطروقة في التمثيل، أو أسلوب جديد في التصوير، أو رحلة إلى مكان لم يذهب إليه أحد، أو حتى قفزة مجنونة إلى المجهول.
ولذلك جاء انبهاري بالحلقة الأولى من مسلسل «صحاب الأرض»، أفضل ما شاهدته خلال اليوم الأول من رمضان، ليس بسبب المضمون، مع أنه أهم مضمون يمكن أن يتكلم عنه إنسان هذه الأيام، ولكن بفضل الشكل والمستوى الفني الرفيع الذي بدت به الحلقة.
جميل أن نهتم بالمضمون، وسهل هو اللعب في المضمون، ولكن الفن يشكو، ويقول: أنا الشكل المبتكر، والبناء المحكم، والأسلوب الفريد. أنا خلق باللغة، والصورة، والموسيقى، والجسد والصوت البشريين، آتي من حيث لا يتوقع أحد، مثل جني علاء الدين، لا يمكن أن تحبسني في قواعد أو كاتالوج جاهز، أنا انفجار إبداع، غير مضمون النتائج!
وأعلم أن هذا كلام كبير، لا يصدقه أحد، قد يثير سخرية البعض، لأن أكل العيش يحكم، وحلم الملايين مُغرٍ، وأنه حتى الجنون لدينا يجب أن يكون عاقلًا ومضمونًا!
ولكن ها هو «صحاب الأرض» يثبت أن الاهتمام بالمضمون لا يعني بالضرورة إهمال الجوهر، وهو الشكل الذي يتجسد فيه هذا المضمون.
لقد شاهدت من قبل أعمالًا عن مضامين مهمة، بعضها كانت أيضًا عن فلسطين، ولكنها كانت ساذجة الكتابة، مضحكة التنفيذ، باردة الأطراف والقلب.
منذ الدقائق الأولى في «صحاب الأرض» يستطيع المخرج بيتر ميمي أن يصنع عملًا لا يكتفي بـ«المانشيتات» الإخبارية، ولكنه يضعنا داخل تجربة ويجعلنا نعيش فيها. وهو يفعل ذلك عن طريق استخدام كل العناصر «السينمائية» «دعنا نقول الدرامية» الممكنة: أول هذه العناصر هو التصوير، الذي يعتمد على العتمة والظلام أكثر من النور. نبدأ الأحداث ليلًا، حيث لا ضوء سوى كشافات الهواتف المحمولة أو مصابيح السيارات، ما يمهد نفسيًا إلى دخول الشخصيات إلى قلب الجحيم القادم. هذا التصور البصري لغزة باعتبارها الجحيم على الأرض، هو تفكير بالشكل، بالصورة التي تعبر عن مضمون المضمون.
والشكل ليس مجرد ملابس وماكياج الممثلين، أو نوع الكومباوند الذي يعيشون فيه، وليس حركات البهلوانات التي يقوم بها «الدرون»، أو الموسيقى الرهيبة التي تعلو مع ارتفاع حرارة الأكشن، واندلاع النيران المصنعة بالكمبيوتر والمؤثرات الخاصة. ولكنه الكيفية التي نستخدم بها كل ذلك من أجل إحداث التأثير المطلوب، وهو أيضًا الكيفية التي تتفاعل بها كل هذه العناصر معًا لإحداث وتعزيز هذا التأثير.
التصوير قد يكون العنصر المحرك، عازف البيانو الذي يمهد للمقطوعة الموسيقية، ولكن ما يعطيه قوته هو بقية العازفين: صوت الكمان الهادئ، الذي يتسلل إلى الروح عبر أداء منة شلبي، التي تكتفي بتعبيرات الوجه، ولا تكاد تنطق بكلمتين ثلاثة طوال الحلقة. وعبر الإيقاع الصاخب الذي يرد به إياد نصار، ملتهبًا بالألم، والأمل، مستنجدًا بالعالم من حوله.
ثم يأتي دور المؤثرات البارعة، التي طالما أجاد بيتر ميمي استخدامها، خاصة في «الحشاشين»، وهي تدخل في نسيج الصورة والحدث، فلا تكاد تميز العين بينها وبين الحقيقي، وكأن هذه التفجيرات والدماء تحدث في غرفة معيشتنا بالفعل، وليس على خلفية شاشة كمبيوتر!
من المبكر، بالتأكيد، الحديث عن عمل من خلال حلقة واحدة، ولكنها خواطر مبكرة أردت أن أعبر عنها!