بين الواجب والأمومة.. «دعاء» تركت مائدة أسرتها في رمضان لمدة 10 سنوات من أجل رعاية المرضى
بين الواجب والأمومة.. «دعاء» تركت مائدة أسرتها في رمضان لمدة 10 سنوات من أجل رعاية المرضى
في لحظات دافئة نسمع فيها صوت أذان المغرب في شهر رمضان المبارك، تلتف الأسر حول مائدة واحدة، يتقاسمون أكواب التمر ودفء اللقاء، وترتفع الأيادي بالدعاء في خشوع، ولكن بتلك الدقائق الغالية، هناك جنود مجهولون اختاروا التضحية باللحظات الأسرية في سبيل رعاية الآخرين وأداء الواجب المهني.
بينما تكتمل «لمة العيلة» حول مائدة الإفطار في رمضان، تختار دعاء الخياط، الأخصائية الاجتماعية ومسؤول الدعم النفسي بإحدى المستشفيات العامة، أن يكون مكانها بين ردهات المستشفى، منذ عام 2016، لم يتغير جدولها كثيراً؛ فشهر رمضان بالنسبة لها لا يختلف عن بقية الشهور من حيث ضغط العمل واستقبال الحالات الحرجة.
بين البيت والمستشفى
دعاء، الأم لابنتين في المرحلتين الجامعية والثانوية، والزوجة لزميل يعمل معها في نفس المستشفى لكن بمواعيد مختلفة، تمارس طقوسها الرمضانية الخاصة، تبدأ يومها بتجهيز طعام أسرتها قبل التوجه لعملها، لتتركهم يتناولون إفطارهم معا، بينما تتناول هي وجبتها وحيدة أو مع زملائها وسط حالات المرضى وشكواهم، وفقا لحديثها لـ«الوطن».
تقول دعاء: «بناتي اعتادوا على غيابي، أجهز لهن الطعام مسبقاً، وأتوجه لعملي الذي يتطلب تواجدي في أصعب اللحظات، خاصة مع الحالات التي تحتاج دعماً نفسياً قبل وبعد العمليات الجراحية».
أدوار تتجاوز الوظيفة
لم يتوقف دور دعاء عند الاستشارات الاجتماعية التقليدية، فمنذ جائحة كورونا، باتت مسؤولية الدعم النفسي تقع على عاتقها بشكل أكبر. ومن بين أصعب المهام التي تواجهها هي التعامل مع "لأطفال فاقدي الهوية الذين يتم العثور عليهم؛ حيث تتابع إجراءات دخولهم الحضانات وتوفير الرعاية اللازمة لهم في لحظات إنسانية قاسية، تقوم بها بصدر رحب دون انتظار مقابل سوى التقدير المعنوي.
يوم العائلة داخل المستشفى
ولأنها تدرك حجم الفراغ الذي يتركه العمل بعيداً عن الأسرة، بادرت دعاء منذ 10 سنوات بتنظيم "إفطار جماعي" سنوي داخل المستشفى. يجمع هذا اليوم الأطباء، والتمريض، وعمال النظافة، وأفراد الأمن على مائدة واحدة.
«هذا اليوم يعوضنا جميعاً»، توضح دعاء، مشيرة إلى أن اليوم لا يقتصر على الطعام، بل يمتد ليشمل ندوات دينية وحلقات إنشاد وصلاة تراويح جماعية، مما يضفي روحانية رمضان على أجواء العمل الجافة بطبيعتها.
عطاء حتى بعد ساعات العمل
حتى بعد عودتها للمنزل، لا ينتهي يوم دعاء؛ إذ تظل مرتبطة بمرضاها عبر البريد الإلكتروني لمتابعة مشاكلهم وحلها، وهو ما قد يسرق منها أحياناً وقت السحور أو الإفطار مع أسرتها، لكنها تؤكد دائماً أنها تفعل ذلك برضا تام، إيماناً منها بأن رسالتها المهنية هي جزء لا يتجزأ من عبادتها في هذا الشهر الكريم.