مسلسلات وسط البلد
من الظواهر الطيبة فى دراما رمضان 2026 اتجاه عدد ملحوظ من الأعمال إلى التصوير فى وسط البلد. ولأن بعض سكان ومواليد المدن الجديدة لديهم أوساط بلد محلية، يطلقون عليها Downtown، أراها أحياناً تتناثر على الطرق السريعة شمالاً ويميناً، فإن وسط البلد الذى أقصده هو وسط القاهرة الخديوية، الذى يمتد بين مثلث ميدان التحرير وميدان العتبة وميدان رمسيس، وبعض الأحياء المجاورة. تلك المنطقة التى شهدت عمليات النهضة والتمدين والتخطيط العمرانى الحديث، ومولد المراكز الفنية والثقافية فى القاهرة منذ عصر الخديو إسماعيل، وكان من معالمها كوبرى قصر النيل، دار الأوبرا القديمة، شارع محمد على، وشارع عماد الدين، وعشرات المقاهى التى شهدت تجمع الكتاب والفنانين بأنواعهم، كما شهدت نشأة المسارح والملاهى الليلية ودور العرض السينمائى ومحلات الملابس والمنتجات الغربية الحديثة.. إلخ.
تعرض وسط البلد، كما نعرف، للإهمال والتجريف وظهور مراكز استقطاب أخرى أكثر «حداثة» و«رقياً»، حتى عماراته الفخيمة الجميلة التى لم تزل تقاوم الزمن تآكلت وساءت بنيتها الداخلية ومرافقها، وراحت رائحة الزمن والعفن تدب فى الكثير من مداخلها و«مناورها»، ولكن فجأة، وبينما بدا أن وسط البلد فى طريقه إلى الاختفاء للأبد، ظهرت يد خفية سعت منذ سنوات إلى إعادة بث الحياة والجمال فى وسط البلد. وكل من يمر بأحد شوارعها الآن يمكن أن يلاحظ على الفور عمليات التنكيس والترميم والمحلات الجديدة التى يتم افتتاحها.. فى إطار مشروع استثمارى هائل غامض أكبر من قدرتنا على الاستيعاب. ولكنه فى كل الأحوال مشروع عظيم جدير يستحقه كل حائط وحجر فى وسط البلد.
ولكن ما علاقة هذا البعث لوسط البلد بمسلسلات رمضان؟
منذ سنوات استغرقت وغرقت معظم المسلسلات فى التصوير فى المجمعات السكنية الجديدة (الكومباوندات) لعدة أسباب، منها الدعاية لهذه المجمعات مقابل التصوير المجانى أو حتى مقابل تمويل أو مكافآت لصناع المسلسلات، ومنها أن معظم صناع المسلسلات أنفسهم قد صاروا من سكان هذه الأحياء الجديدة، وينظرون إليها كمدن من لحم ودم حقيقية. ولكن المشكلة أن هذه الأحياء الجديدة تستدعى بالضرورة نوعيات وموضوعات درامية مناسبة، حيث تعيش الشخصيات (على الأقل) فى فضاءات معمارية فاخرة فى فقاعات حضرية لا جذور لها، تعمل بمهن هلامية، وتمر، بالضرورة، بتجارب وقصص سطحية لا خلفية طبقية ولا اجتماعية ولا ثقافية لها. وحتى التمثيل فى هذه الأعمال يتأثر بالمكان وطبيعته، فيصبح عادة متصنعاً متكلفاً، بحكم أن الممثل يشعر أنه فى «ديكور» لا علاقة له بالدراما أو الشخصية التى يؤديها.. وهذه فروق دقيقة ومهمة لا يدركها سوى الفنان الذى يريد أن يصدق ما يكتبه ويصوره ويخرجه ويمثله! وهؤلاء، كما نعلم، قلة تحتاج إلى محميات بيئية لحمايتها من الانقراض!
وخلال السنوات الثلاث الماضية ظهر الفارق حين بدأت بعض الأعمال الدرامية تعود إلى التصوير فى شوارع وبيوت وسط البلد القديمة، فبدت الحكايات والشخصيات أكثر مصداقية وأكثر ارتباطاً بجذورها وطرق تفكيرها وطبائعها المصرية، خاصة تلك الأعمال التى تتناول حياة الطبقات الوسطى والفقيرة التى تشكل أكثر من 90% من سكان المحروسة!
قد تكون العودة إلى وسط البلد مرتبطة بالدعاية لمشروع تطوير وسط البلد الرأسمالى، ولذلك هناك اهتمام بتصوير الزوايا السياحية للميادين والعمارة القديمة، ولكن هناك بالتبعية اهتماماً بالأحياء المجاورة بأسواقها ومحلاتها ومقاهيها وبسطائها، وهو ما يعطى لهذه الأعمال حساً بالواقعية كاد يختفى من الدراما المصرية. ومن الجيد أنه بدأ يتردد مجدداً.
وبالطبع وسط البلد لا يعنى هذا المثلث فقط، ولكنه يعنى الأحياء القديمة كلها من الزمالك إلى شبرا، وغيرهما، ما نتمنى أن تتجه إليه الدراما فى السنوات القادمة.