العلاقة بين اللغة والسلوك
أهتم بمراقبة لغة الناس وسلوكهم في الأماكن العامة يلفت انتباهي كيف يتعامل أحدهم مع آخر قد يكون أكبر منه عمرا أو أعلى منه تنظيميا في وظيفة أو ما شابه وأحيانا عند السؤال في الشارع عن عنوان أو محطة المترو أو عن وسيلة مواصلات أجد في غالب الأحوال الشخص السائل يطرح سؤاله بأسلوب فج بدون تقديم كأن يقول: مساء الخير أو ممكن من فضلك تقول لي المعلومة الفلانية يخترق أذني صوت أحدهم زاعقا: هي محطة المترو فين؟ أو يا حاج أروح الشارع الفلاني إزاي؟ ليس كثيرا من يبدأ بقول: من فضلك ممكن تدلني على كذا ؟ أو لو سمحت ممكن تقولي أركب إيه علشان أروح المكان الفلاني؟
ما ذكرته في السطور السابقة مجرد مثال للعلاقة بين اللغة المستخدمة والسلوك فالسلوك انعكاس للغة واللغة ترجمة للسلوك وعندما يحدث معنا ذلك نتذكر الحوارات في الأيام القديمة وهي صورة عاكسة للمجتمع وقتذاك فالقدامى ماتوا ولا يمكن أن نسمع منهم مباشرة في الأفلام كان السباب بليغ فعندما يريد أحدهم أن يسب أخر يقول له: أنت وغد !! أو: أنت خسيس !! أو أنت مخادع !!
وإذا قارننا بين ذاك وما يحدث حاليا من استخدام للغة التعامل لن تكون هناك أي نسبة مقارنة التغير المجتمعي يؤثر كثيرا في لغة الناس وسلوكهم وفي الحقيقة ان هذه القضية من أقد المسائل التي حيرت الفلاسفة قبل علماء الاجتماع واللسانيات هل الإنسان يصوغ لغته أم اللغة هي التي تصوغ الإنسان؟ وهل الكلمات مجرد أصوات أم أنها مرايا خفية للسلوك ؟
اللغة في علم الاجتماع لا تفهم بوصفها قاموسا أو قواعد نحوية فحسب بل تفهم بوصفها نظام علاقات الناس لا يتكلمون فقط لينقلوا معلومات بل ليرسموا حدود القرب والبعد الاحترام والازدراء السلطة والخضوع الانتماء والاغتراب حين تختار لفظة معينة أو نبرة معينة أو طريقة لمخاطبة شخص أكبر منك أو أصغر فأنت لا تتكلم فقط بل تمارس سلوكا اجتماعيا اللغة هنا ليست انعكاسا للسلوك بل أحد أشكاله
علماء اللسانيات يقولون إن كل مجتمع يحمل داخله أدبا ضمنيا غير مكتوب يعرفه أفراده متى تقول : حضرتك ومتى تقول: أنت ومتى تمزح ومتى تصمت ولذلك فالرقي اللغوي ليس في الكلمات الرفيعة وحدها بل في القدرة على ضبط اللغة حسب المقام الرجل المهذب ليس من يحفظ ألفاظا مهذبة بل من يعرف متى يلين ومتى يقتصد ومتى يصمت فالصمت أحيانا جزء من اللغة كما أن النظرة ونبرة الصوت جزء من السلوك
لهذا يبدو أحيانا أن المجتمع الراقي أو الثري لغته راقية الحقيقة الأدق أن كليهما ينحدر من أصل واحد: منظومة القيم حين تعلي جماعة بشرية قيمة الاحترام والخصوصية والاعتبار المتبادل تنشأ تلقائيا أساليب لغوية تحمي هذه القيم ؛ تظهر عبارات الاعتذار والرجاء والاستئذان والتخفيف ويكثر استعمال صيغة الجمع في المخاطبة وتقل الألفاظ المباشرة الجارحة وحين تضعف هذه القيم في مجتمع ما لا تختفي أولاً من القوانين بل تختفي قبلها من الألسنة لأن اللسان أسرع من القانون وأسبق من السلوك الفعلي ؛ الناس قد يضرب بعضهم بعضا مرة لكنهم يجرحون بعضهم بالكلمات كل يوم
لهذا نرى أن انحدار السلوك يبدأ لغويا قبل أن يصبح واقعا ماديا السب مثلا ليس مجرد لفظ سيئ بل إعلان ضمني بأن الآخر فقد مكانته الإنسانية في عين المتكلم وعندما يشيع هذا النمط يصبح الاعتداء الجسدي لاحقا أمرا أقل غرابة لأن الحاجز النفسي سقط مسبقا بالكلمات اللغة هنا تدرب المشاعر الكلمة تعود القلب على معنى ثم يصبح السلوك نتيجة طبيعية
لكن اللغة الراقية لا تعني أخلاقا راقية دائما قد يستخدم إنسان ألفاظا فصيحة مهذبة وهو قاس أو فاسد الفرق أن المجتمعات تقاس بالمتوسط العام لا بالأفراد فإذا كان الخطاب العام في الشارع والإعلام والمدرسة والبيت مشبعا بالاحترام فهذا يدل على وجود رقابة اجتماعية أخلاقية أي أن الناس يخشون نظرة المجتمع قبل خوفهم من القانون أما إذا صار الابتذال عاديا فهذا يعني أن المجتمع نفسه لم يعد يعاقب سلوكيا فتنفلت الألسنة ثم الأفعال
أما العلاقة بين اللغة والوضع الاقتصادي فهي أدق مما تبدو الفقر لا يجعل الإنسان سيئ الخلق بطبيعته التاريخ مليء بمجتمعات فقيرة شديدة الأدب بل أحيانا أكثر محافظة في ألفاظها من مجتمعات غنية لكن ما يرتبط بالفقر ليس الأخلاق مباشرة بل الضغط الاجتماعي عندما يعيش الإنسان في بيئة يسودها القلق اليومي وعدم الاستقرار وضعف المؤسسات التعليمية يقل الاستثمار في التربية اللغوية لأن الهم الأول يصبح البقاء لا التهذيب المدرسة الجيدة والكتاب والوقت الفارغ والاستقرار الأسري كلها ظروف تسمح بتوارث أساليب خطاب مهذبة لذلك غالبا ما نجد الطبقات المستقرة اقتصاديا تملك لغة أكثر ضبطا لا لأنها أفضل أخلاقيا بالضرورة بل لأنها عاشت في بيئة تسمح بتعلم قواعد التعامل
الغنى أيضا لا يصنع الرقي دائما فحين يأتي المال سريعا بلا ثقافة موروثة قد يبقى السلوك خشنا لأن اللغة لا تتغير بسرعة تغير الدخل اللغة في الحقيقة أشبه بطبقات جيولوجية ؛ تحمل آثار أجيال سابقة من التربية والتعليم والاحتكاك الثقافي لذلك قد ترى مجتمعا ارتفع دخله في عشرين سنة لكن لغته العامة ما تزال تحمل آثار القلق أو العنف الرمزي القديم
اللغة والسلوك ليسا سببا ونتيجة بقدر ما هما وجهان لعملة واحدة اسمها الثقافة المجتمع الذي يحترم الإنسان في داخله يحترمه في كلامه أولا واللسان هو أكثر الأعضاء صدقا لأنه يعمل تلقائيا ؛ الإنسان قد يمثل في أفعاله لكنه نادرا ما يمثل طويلا في لغته اليومية لذلك من أراد أن يعرف روح مجتمع لا يقرأ قوانينه ولا بياناته الرسمية بل يصغي إلى حديث الناس في الشارع هناك في الكلمات البسيطة العابرة تظهر أخلاق الأمة كما تظهر روح الفرد في نبرة صوته.