عين سحرية

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

استطاع مسلسل «عين سحرية» أن يحتفظ بسحر البساطة التي تعكس عمقاً خلف تفاصيلها، وأن يقدم البطل الشعبي بعيداً عن العضلات المنتفخة والجسم اللامع بالزيت وتطجين الكلام والسجع الفج، الذي يحمل خواءً وينقل فراغاً. الغموض البوليسي الظاهر يعكس أزمة وجودية فلسفية بدون ضجيج سياسي زاعق، معاني العدالة ومعنى القوة، ما بين عادل المهمش المطحون، وزكي المهمش القوي، أو بالأصح القوي ظاهرياً، كل منهما في زنزانة الماضي، يطل من نافذتها على مستقبل ضبابي.

الأول يحمل إرث أبيه المسجون في قضية سرقة، والذي رحل تاركاً الابن الأكبر المسحول 24 ساعة كفني تركيب كاميرات نهاراً وسائق سكوتر ليلاً، وابن أصغر مصاب بالكليبتومانيا، داء السرقة، وكأنه يستنسخ الأب في دورة جهنمية عبثية.

والثاني محامٍ شاطر، لكنه يحمل إرث عقوبة سجن، جعلته في خلفية الأحداث، يعمل محامياً عند من هو أقل منه ذكاءً، ولا يترافع أمام محكمة، إنما يمنح خبراته لمن هم أقل منه. يتحالف الاثنان على تطبيق العدالة العمياء ضد حيتان الفساد، يستدعيان روح وحيد حامد في اللعب مع الكبار.

العين السحرية صارت الكاشف في مجتمع يجمع متناقضين، قمة الرقابة وقمة الطناش، فساد في الطعام حيث تخفي البهارات اللحم الفاسد، فساد الهواء، حيث تصاب العاملات ومنهن أم عادل بالربو نتيجة كيماويات الصبغات، يعملن بدون تأمين صحي من أجل لقمة العيش، فساد على الأسفلت، تجارة مخدرات وآثار.. إلخ، نجوم مجتمع جعل الضباع كريمة التورتة الاجتماعية.

البطلان عادل وزكي هما بطلان دراميان بامتياز، أنت كمشاهد تعيش نفس درجة الحيرة، ما بين التعاطف والإدانة. حتى زكي المحامي الذي أدى دوره ببراعة النجم باسم سمرة، يمارس الشر والانتقام والثأر خلف ابتسامة هادئة، ثم يصبح طفلاً مشتاقاً لابنته في جلسة الفضفضة النفسية، تشعر ببؤسه يطل من خلف نظراته وعباراته المنكسرة.

هناك علاقة أبوة وحنو غريبة ومركبة ما بين عادل وزكي، تحس معها أنك أمام اثنين يجمعهما القهر والطموح والحلم. أماكن اللقاء، بنسيون في وسط البلد يطل على مصر بضجيجها وحميمية ناسها، عزلة، فهما من المطاريد التي يلفظها ويهمشها المجتمع.

المسمط الشعبي الذي تحس أنه يخدم هذين المهمشين فقط، يحتضنهما دوماً ليل القاهرة الذي لا يغسل فيه النيون أوجاع وآلام البشر، ولا تمسح لافتات الإعلان دموعهم أو تسكت أنينهم. لا يملكان إلا صراخ الكشف بالعين السحرية، عن مجتمع الستر المنافق، وكنس التراب تحت السجادة، للاحتفاظ ببريق النقش الملون.

عصام عمر بطل مصري جداً، عادي الملامح مثل ابني وابنك، عينان مجهدتان من الزمن الضنين، نظرة تحمل كل شجن مواويل النيل، وسخرية تترجم كل قافيات مقاهي الحسين والغورية وإمبابة. وباسم سمرة يعمل على الدور بدقة وصبر، أويمجي شاطر، وأحمد بلا صديقه مشروع كوميديان قادم بقوة، والأم كتلة إحساس فطرية وغول تمثيل.

موسيقى خالد كمارا بطل موازٍ، ولاعب رأس حربة في تشكيل فريق «عين سحرية»، وموسيقى مناسبة ومترجمة للأحداث ومتعشقة في تفاصيله. المخرج السدير مسعود مدهش في كادراته وإيقاعه واحتفاظه بالمشاهد مشدوداً حتى آخر لحظة.

«عين سحرية» عمل متكامل بامتياز.