«رأس الأفعى».. حتى لا ننسى
مسلسل «رأس الأفعى» ليس مجرد عنوان مثير أو استعارة تقليدية عن الشر المتخفّي، بل هو مشروع درامي يُحاول أن يعيد تعريف مفهوم «العدو» في زمن تتبدل فيه الوجوه وتبقى الخيانة ندبة على وجه صفحات التاريخ لا تمحوها مراجعات أو توبة سياسية هدفها الهروب من محاكمة، وحتى إن كانت توبة عن الفكر التكفيري، فما نال الوطن من هؤلاء غير تأخير التنمية، دفع ثمنها الشعب المصري بكامله من خيرة شبابه ارتقوا شهداء من الجيش والشرطة والمدنيين.
و«رأس الأفعى» في الواقع المصري ليست استعارة أدبية، بل تجربة دامية، وتجربة كهذه تؤكد أن معركة الدولة لم تكن مع خصم سياسي تقليدي، بل مع تنظيم عابر للحدود، متعدد الرؤوس، يرى في الفوضى فرصة، وفي الدم وسيلة «إما نحكمكم أو نقتلكم»، ولا بد من التوعية من خلال الأعمال الدرامية والسينمائية والكتابة بشتى أنواعها سواء توثيق أو رواية حتى لا يتم ترك الساحة للرواية الأخرى أو بالأصح رواية المظلومية التي يتقنها الإخوان، والوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى حتى لا تتكرر المأساة.
في الدراما السياسية، حين يُختار عنوان مثل «رأس الأفعى»، فإن الرسالة تكون واضحة: هناك عقل يُدير، وخيوط تُسحب من وراء الستار، ووجوه تتبدل بينما يبقى المخطط واحداً. وإذا أردنا أن نقرأ هذا العنوان قراءة واقعية في السياق المصري، فلا يمكن تجاهل التجربة الدامية التي صنعتها جماعة الإخوان المسلمين، والتي كشفت عبر السنوات أن التنظيم لا يتحرك بعشوائية، بل بعقيدة تنظيمية ترى في الفوضى وسيلة، وفي الدم ورقة ضغط، وفي الدولة خصماً يجب إنهاكه.
من هنا يصبح الحديث عن «رأس الأفعى» حديثاً عن العقل المدبر، لا عن المنفذين في الشارع. حديثاً عن الغرف المغلقة، لا عن البيانات الحماسية. وفي قلب هذه المعادلة يبرز اسم محمود عزت، الذي وُصف طويلاً بأنه «الرجل الحديدي» داخل التنظيم، وصاحب المدرسة الأكثر إرهاباً وتشدداً في إدارة الصراع مع الدولة المصرية.
«رأس الأفعى» هو عمل يتكئ على فكرة أن الخطر الحقيقي لا يكون في الذيل الذي يتحرك أمام أعيننا، بل في الرأس الذي يفكر ويخطط ويتوارى.
منذ الحلقة الأولى، يضعنا العمل أمام شبكة معقدة من العلاقات المتداخلة سواء سلطة، مال، إعلام، وأجهزة أجنبية تساعدها يد الخيانة التي تتحرك في الظل. لا يقدم المسلسل بطلاً تقليدياً يقف في مواجهة شر واضح المعالم، بل يطرح بطلاً يتحرك وراء معلومة ويعرف أن ضرب الذيل لا يُميت الأفعى، وأن الوصول إلى الرأس قد يعني التضحية بحياته، لكن إيمانه بوطنه وبقضيته يجعله يستعد للتضحية بحياته.
لم تكن جماعة الإخوان يوماً مجرد حركة دعوية كما حاولت أن تُسوّق لنفسها لعقود، فالتاريخ التنظيمي للجماعة قائم على فكرة «التنظيم الخاص»، أي الذراع السرية التي تتحرك بعيداً عن الخطاب العلني. هذه الفلسفة لم تختفِ، بل أُعيد إنتاجها بأدوات جديدة بعد ثورة 30 يونيو.
وهنا يتضح الفارق بين القيادة العلنية والخط السري. فبينما كان بعض رموز الجماعة يتحدثون عن «السلمية»، كانت على الأرض تتشكل كيانات مسلحة تحمل أسماء مختلفة، لكنها تخرج من عباءة فكر واحد هو الفكر القطبي نسبة للإرهابي الأكبر «سيد قطب».
فور الإعلان عن العمل ظهرت أصوات على مواقع التواصل لإيهام المصريين بسلمية «محمود عزت»، الذي لم يكن مجرد قائم بالأعمال أو قيادي تقليدي، بل هو الرجل الذي عُرف داخل الجماعة بقدرته على إدارة الملفات الأمنية والتنظيمية، وبنزعة واضحة نحو الحسم التنظيمي الصارم. فالمدرسة التي انتمى إليها «عزت» كانت تؤمن بأن بقاء الجماعة فوق كل اعتبار، وأن الحفاظ على الهيكل التنظيمي يبرر استخدام كل الأدوات الممكنة حتى ولو كان على «جثة الوطن» الذي لم يكن يعني بالنسبة لهم سوى «حفنة تراب عفنة».
بعد سقوط حكم الإخوان، دخل التنظيم في حالة ارتباك، انقسمت القيادات بين من يدعو إلى مراجعات سياسية، ومن يرى أن المواجهة هي الخيار الوحيد. وهنا برزت تيارات أكثر تشدداً، كان أبرز رموزها محمد كمال، الذي عُرف داخل التنظيم باعتباره أحد منظّري «الحراك الثوري المسلح».
المسلسل يظهر لنا محمد كمال، الذي لم يكن شخصية هامشية، بل كان عضواً بمكتب الإرشاد، أي في صميم الهيكل القيادي. ومع تصاعد الصدام بين الدولة والجماعة، بدأ يروج لفكرة أن السلمية لم تعد مجدية، وأن استهداف مؤسسات الدولة وأفرادها هو وسيلة لإرباك النظام وإجباره على التراجع. فهذا التيار، الذي عُرف لاحقاً باسم «التيار الكمالي»، لم يكن مجرد خلاف تنظيمي حول التكتيك، بل كان تعبيراً عن تحوّل نوعي في رؤية قطاع من الإخوان لطبيعة الصراع، تحوّل من الرهان على الحشد الجماهيري إلى الرهان على العمليات النوعية مثل تفجير أبراج الكهرباء والاتصالات وكل الخدمات وصولاً للمستشفيات. ومن هنا خرجت إلى العلن حركتان مسلحتان حملتا اسمين مختلفين، لكنهما ارتبطتا بهذا الخط الفكري، هما «حسم» و«لواء الثورة». فالحركتان تبنتا عمليات استهداف لقضاة وضباط ومنشآت، في محاولة واضحة لخلق حالة من الرعب والضغط السياسي، لكن لم يكن في حساباتهم أن الشعب المصري يقف خلف ثورته وجيشه وشرطته ومؤسسات دولته الوطنية.
السؤال الذي شغل كثيرين: هل كان هناك صراع حقيقي بين محمود عزت ومحمد كمال، أم كان توزيع أدوار داخل التنظيم؟
الرواية التي روّج لها بعض أنصار الجماعة تحدثت عن «انقسام» بين جبهة تميل إلى التهدئة وأخرى تتبنى العنف. لكن الوقائع تشير إلى أن الخط الفاصل لم يكن حاداً كما صُوّر، فالتنظيم بطبيعته الهرمية لا يسمح بتمرد كامل على القيادة دون حساب. واستمرار التيار الكمالي في العمل لفترة، وتمدده التنظيمي، يطرح تساؤلات حول حجم الغطاء الذي كان يتمتع به.
قد يكون الخلاف قد دار حول مستوى التصعيد وتوقيته، لا حول المبدأ ذاته. فمحمود عزت، المعروف ببراجماتيته التنظيمية، ربما رأى أن العنف أداة تُستخدم بحساب، لا بانفلات. بينما كان محمد كمال أكثر اندفاعاً في الدفع نحو المواجهة المفتوحة.
لكن في النهاية، النتيجة واحدة: دماء سالت، وأعمال تخريب نُفذت، وخطاب مزدوج حيث يستمر خطاب علني عن المظلومية، وخط سري عن الإنهاك والاستنزاف، ليس فقط استنزاف الدولة بل المواطن أيضاً.
حركة «حسم» لم تأتِ من فراغ. في بنيتها التنظيمية، وطبيعة بياناتها، وأسلوب عملياتها، كلها تعكس عقلية تنظيمية مستنسخة من التنظيم الخاص، لا مبادرات فردية أو بعيدة عن العقل الإخواني في استخدام المصطلحات الدينية لتخدم الغرض السياسي، وتصوير العمليات باعتبارها «قصاصاً»، يعيد إلى الأذهان خطاب التنظيم الخاص في أربعينات القرن الماضي، ولكن بثوب جديد ويخدم عليه لجان إلكترونية. فما فعله التيار الكمالي أنه نقل فكرة التنظيم الخاص من الاغتيال السياسي المحدود إلى استراتيجية استهداف أوسع، مستفيداً من شبكات التواصل والتقنيات الحديثة في التخفّي والدعاية من خلال قنوات فضائية ولجان إلكترونية تملأ الفضاء الإلكتروني الذي يُستخدم في تكفير الدولة ومؤسساتها ويصورها على أنها خصم، وبمحاولة بائسة يحاول شق الصف بين المواطن المصري ودولته ومؤسساته، والهدف هو تمهيد الأرض ليقبل المصريون بالعنف تجاه هذه المؤسسات، وهو ما لم يتحقق لعدة أسباب أهمها أن الدولة المصرية جيشها من الشعب بكافة فئاته وطبقاته، وليس جيشاً قبلياً أو جهوياً أو طبقياً أو مرتزقة.
المفارقة أن الجماعة لطالما سعت إلى تقديم نفسها في الخارج باعتبارها ضحية قمع سياسي، وحركة إصلاحية ذات قاعدة شعبية. لكن تجربة التيار الكمالي، وظهور حركات مسلحة خرجت من رحم التنظيم، نسفت هذه الصورة. فلا يمكن الفصل بين القيادة التاريخية للجماعة وبين ما خرج من عباءتها من تنظيمات، فالهيكل التنظيمي الصارم، وثقافة السمع والطاعة، لا تسمح بقيام تيار مسلح بهذا الحجم دون أن يكون جزءاً من معادلة داخلية بالتأييد المباشر وبالدعم أيضاً.
والحقيقة أن ما تكشفه تجربة الإخوان بعد 2013 هو أن التنظيم حين يُحاصر سياسياً، قد يلجأ إلى إنتاج رؤوس جديدة. فقد يُغير الاسم، أو الشعار، أو الواجهة، لكنه يحتفظ بالعقل ذاته الذي يرى أن الجماعة فوق الوطن، وأن التنظيم أهم من الدولة التي هي حفنة من تراب.
«رأس الأفعى» هنا ليس شخصاً واحداً، بل منظومة فكرية وتنظيمية. ومحمود عزت يمثل رأساً إدارياً صلباً، ومحمد كمال مثّل رأساً ميدانياً إرهابياً مندفعاً. وبينهما تحركت كوادر شابة، اقتنعت بأن العنف هو الطريق المختصر لاستعادة النفوذ المفقود بثورة شعبية. والتجربة أثبتت للشعب المصري أنهم مجموعة إرهابية تخفت في ثوب الدعوة واستخدمت «التقية»، وأن هذا الطريق لا يؤدي إلا لمزيد من العزلة والخسارة. فالمجتمع الذي دفع ثمن العمليات المسلحة اعتبرها تهديداً مباشراً لأمنه واستقراره، وما هم إلا سفراء للموت لأبناء هذا الوطن.
الدولة المصرية ارتأت أن التعامل مع هذا النوع من التنظيمات لا يكون أمنياً فقط، وإن كان الأمن ضرورة لحماية الأرواح. فالمواجهة الحقيقية هي فكرية وتنظيمية، تقوم على كشف الازدواجية، وفضح الخطاب الذي يُخفي تحت عباءة الدعوة مشروعاً للخيانة وبيع الأوطان في سبيل الوصول للسلطة.
لكن لا بد أن نعلم علم اليقين أن التنظيم الذي لا يعترف بالدولة الوطنية، ويضع الولاء للجماعة فوق أي اعتبار، يظل قادراً على إعادة إنتاج نفسه بأشكال مختلفة. لذا تأتي هنا أهمية العمل الدرامي حتى لا ننسى ولا يكون لدينا ذاكرة السمك، وهنا الرسالة واضحة تماماً لدعاة المصالحة مع هؤلاء الإرهابيين.
الدرس الذي يمكن استخلاصه من العلاقة بين محمود عزت ومحمد كمال، ومن تجربة «حسم» والتيار الكمالي، هو أن الخطر لا يكمن فقط في الأسماء، بل في الفكر والبنية. فقد يسقط رأس، لكن إن بقي الفكر الذي يبرر العنف ويغذيه، فستظهر رؤوس أخرى أكثر خطورة. ولا بد من تفكيك هذه المنظومة، لا يكون فقط عبر القبض على قياداتها، بل عبر كشف حقيقتها للرأي العام. ولا بد للمصريين أن يعلموا أنهم أمام تنظيم مغلق، يؤمن بالسرية، ويستخدم الدين ليخدمه سياسياً، ويستخدم السياسة حين تخدمه للوصول للسلطة، ويستخدم العنف للوصول لأي شيء.