جامع قلعة الجندي.. شاهد على عبقرية العمارة الإسلامية بجنوب سيناء وعمره 843 عاما
جامع قلعة الجندي.. شاهد على عبقرية العمارة الإسلامية بجنوب سيناء وعمره 843 عاما
تعد سيناء أول أرض مصرية تضاء بنور الحضارة الإسلامية، وتعاقبت العصور الإسلامية عليها لتصبح منبر إشعاع حضاري يحوي العديد من الآثار الدينية، تشمل مساجد أصبح لها تاريخ ومكانة عالية، فهي أول بقعة على أرض مصر تستقبل المسلمين الفاتحين، حيث إن الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه استهل دخوله لمصر عبر سيناء عن طريق رفح ثم العريش ويليها الفرما.
تصنيف المساجد القديمة بجنوب سيناء
وقال خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية لـ«الوطن»: تعددت الأماكن التي خصصت لصلاة المسلمين بسيناء في تلك الحقبة، منها مسجد جامع يتوافر به المنبر لإقامة جميع الصلوات وصلاة الجمعة، وأيضًا المسجد الذي يقام به جميع الصلوات ما عدا صلاة الجمعة وهو الذي يفتقر لوجود المنبر، فضلًا عن المصلى وهو بمثابة مكان مكشوف مخصص لصلاة القيام بشهر رمضان وصلاة عيد الفطر وعيد الأضحى، ويشتمل على محراب يحدد اتجاه القبلة.
تفاصيل جامع قلعة الجندي
وأوضح أن من ضمن الأماكن الدينية الأثرية بسيناء، جامع قلعة الجندي بمدينة رأس سدر بوسط سيناء، والذي سجل ضمن الآثار الإسلامية عام 1989، وهو مشيد على قمة جبل مرتفع ويبعد عن القاهرة بحوالي 230 كيلومترا، وعن جنوب شرق مدينة السويس بحوالي 100 كيلومتر، وهو ما كشفت عنه منطقة آثار جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية، ويرجع للعصر الأيوبي حيث عثر على اللوحة التأسيسية التي يتواجد عليها اسم منشئ الجامع وهو الأمير حسام الدين باجل بن حمدان، الذي بنى الجامع بأمر من صلاح الدين الأيوبي على مدار 4 سنوات من 1183 وحتى 1187.
أما اللوحة التأسيسية للقلعة فهي مكتوبة بخط النسخ الأيوبي البارز، ويوجد على جانبيها سرتان دائريتان يشتملان على رسومات أحدهما للدرع والأخرى للسيف التي اتخذ منها صلاح الدين الأيوبي شعارًا للدولة، ونجد على اللوحة كلمات مكتوبة «بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد، خلد الله ملك مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين الملك يوسف بن أيوب خليل أمير المؤمنين أعمر، هذين البرجين والباب المبارك والصور العبد، الخاضع لله تعالى إبراهيم بن أبي بكر ابن، سختكمان العادلي الناصري في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة».
وأشار إلى أن جامع قلعة الجندي يضم مسجدين منهما جامع ومصلى، ومحراب المسجد الجامع صورة جمالية للفن الإسلامي القديم، حيث الكتابة الموجودة عليه بالخط الكوفي «بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلى على محمد»، فضلًا عن الكتلة المعمارية الفريدة التي تحوي زخارف مميزة من الإشعاعات.
إقامة جامع قلعة الجندي وارتباطه بشهر رمضان
وأضاف أن السلطان صلاح الدين الأيوبي كان حريصًا على صلاة التراويح بشهر رمضان الكريم، ولذا قام بإنشاء مصلى خاص للجنود الذين يقطنون قلعة الجندي المخصصة لصد هجوم الصليبيين وحصن دفاع هام لمصر.
وخلال وصف ريحان للجامع أكد أنه مشيد من الحجر الرملي والجيري والجرانيتي، وبه محراب عرضه 80 سم وعمقه 84 سم من الحجر المنحوت، ويضم جامعًا كبيرًا ذات مئذنة قاعدتها بالطرف الغربي من واجهته الشمالية الغربية، كما أنه يشتمل على مدخل معقود بعقد مدبب يعلوه بقايا شرفات، ومن أهم الواجهات به هي الواجهة الجنوبية الشرقية التي تحوي النص الإنشائي الدال على منشئ الجامع والصهريج الموجود بأسفله، فضلًا عن فتحة الباب المؤدي للصهريج أسفل الجامع، أما الواجهة الشمالية الشرقية فنجد بها نافذتين ويتوج كل نافذة عتبة حجرية بها زخارف إشعاعية تنبثق من دائرة مركزية تنتهي بأشكال محارية.
أما عن تخطيط الجامع حسب وصف الخبير الأثري جاء مستطيلًا ومقسمًا إلى 3 أروقة رئيسية، ويغطي بسقف مسطح من «البراطيم الخشبية» وهي عبارة عن كتل خشبية ممتدة على أطراف السقف وتكون مغلفة بالألوان أو التذهيب، أو من فلوق النخيل.
الهدف من إنشاء الجامع
وعن الهدف من إنشاء الجامع أشار إلى أنه يعتبر جزءًا رئيسيًا وهامًا من المنظومة الأمنية والدينية بهدف خدمة الجنود المتواجدين بقلعة الجندي، وأصبحت من الشواهد التي تشير إلى عظمة العمارة الإسلامية خلال الحروب الصليبية.
جامع قلعة الجندي بجنوب سيناء ينفرد بساحة كبيرة خاصة لصلاة التراويح التي ارتبطت بشهر الصيام وكذلك صلاة الأعياد الفطر والأضحى، والتراويح في مجملها اللغوي جمع ترويحة وهو ما يطلق على استراحة كل 4 ركعات، وهي صلاة أقامها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العام 14 هجريًا وأمر المسلمين بالقيام بها بشهر رمضان، كما اعتاد الوالي عنبسة بن إسحاق أن يخرج في الليل قبل أذان الفجر وينادي على الناس خلال شهر رمضان بالسحور.
جامع تاريخي في طريقه لوضعه على خارطة السياحة
ومن جهته، قال حسين عامر، وهو يعمل مرشدًا قائمًا على الرحلات السياحية بجنوب سيناء، لـ«الوطن»: جامع قلعة الجندي بمدينة رأس سدر من أقدم المساجد التي أنشئت بسيناء ويعد من أهم الواجهات الدينية التي يجب إلقاء الضوء عليها، فذلك النوع من السياحة تجذب هواة التعرف على الثقافة والحياة الدينية على أرض سيناء، وخاصة لما له من أهمية تاريخية حيث إنه يعود للعصر الأيوبي، وأهمية دينية لوجوده بقلعة كانت مشيدة لحماية درب الحجاج أثناء طريقهم لمكة لأداء فريضة الحج، أما الأهمية الحربية فترجع لوجود الجامع فوق تلة عالية تعد موقعًا استراتيجيًا لصد هجوم الصليبيين وحصن دفاع هام على مر العصور، ولذا نناشد المسؤولين بتجهيز تلك البقعة الأثرية وفتحها أمام الزيارات السياحية.
