ألف عام من التنوير.. الأزهر يحتفي بذكرى تأسيسه الـ1086
ألف عام من التنوير.. الأزهر يحتفي بذكرى تأسيسه الـ1086
في السابع من رمضان، لا يمر اليوم عاديًا على القاهرة، حيث يتجدد الموعد مع ذاكرة مدينة وروح أمة، اليوم يحتفل الجامع الأزهر بذكرى تأسيسه الـ1086، في احتفالية كبرى تُجسد مكانته كأقدم جامعة إسلامية قائمة، وكأحد أكثر الرموز الدينية والثقافية حضورًا في الوجدان المصري والإسلامي، وتُقام الفعالية برعاية فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وبحضور الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر.
من جامع للخلافة إلى قلب القاهرة
ولم يكن الأزهر مجرد مسجدا عند نشأته، بل كان عنوانًا لمدينة كاملة، فقد شُيد عام 361هـ/972م على يد القائد الفاطمي جوهر الصقلي ليكون الجامع الرسمي للقاهرة الفاطمية، وأقيمت فيه أول صلاة جمعة في رمضان من العام ذاته، وحمل الاسم دلالته الروحية، إذ نُسب إلى السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ليكون الاسم والرسالة متلازمين منذ اللحظة الأولى.
وفي بداياته، جاء تخطيطه بسيطًا، عبارة عن صحن مكشوف تحيط به 3 ظلات، لكن الزمن سرعان ما أضاف إلى جدرانه طبقات من التاريخ، ومع كل عصر كانت ملامحه تتشكل من جديد، دون أن تفقد روحه الأصلية.
مر الأزهر بتحولات كبرى عبر العصور، في العصر الفاطمي توسع البناء وتدفقت الأوقاف، وفي عهد الحاكم بأمر الله والمستنصر بالله أضيفت عناصر معمارية وزخرفية أكدت مكانته، ثم جاء العصر الأيوبي ليشهد تراجعًا مؤقتًا لدوره، حين مُنعت الخطبة فيه، قبل أن يستعيد حضوره بقوة في العصر المملوكي.
ومع السلطان الظاهر بيبرس عاد الأزهر منبرًا للعلم والخطابة، وتحول إلى مقصد للطلاب من شتى بقاع الأرض، وتوالت الإضافات بين مدارس مملوكية، ومآذن شامخة، وميضآت وصهاريج مياه، حتى صار الأزهر مدينة علم داخل المدينة.
من المماليك إلى العثمانيين
بلغ الأزهر ذروة عمارته في أواخر العصر المملوكي، خاصة في عهد السلطان قايتباي وقنصوه الغوري، حيث شُيدت المآذن الشهيرة التي باتت جزءًا من أفق القاهرة، ثم جاء العصر العثماني ليضيف بصمته الخاصة، لا سيما عبر الأمير عبد الرحمن كتخدا الذي أعاد تنظيم الأروقة وبنى الأبواب التاريخية، مثل باب المزينين وباب الصعايدة، لتتسع ساحات العلم والعبادة معًا.
وظل الأزهر حاضرًا في وجدان الدولة المصرية الحديثة، من محمد علي باشا وأسرته، مرورًا بعصر الخديوي إسماعيل والملك فؤاد، وصولًا إلى الجمهورية، ومع الرئيس جمال عبد الناصر شهد الأزهر تحولًا مؤسسيًا كبيرًا بإنشاء كليات جامعة الأزهر الحديثة، ثم جاءت قوانين التطوير التي أعادت تنظيم العلاقة بين المؤسسة الدينية والتعليمية.
أكبر عملية ترميم في تاريخه
وفي العصر الحديث، حظي الأزهر بأكبر عملية ترميم شاملة في تاريخه، انتهت بافتتاحه عام 2018 بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد مشروع ضخم استُخدمت فيه أحدث التقنيات العالمية مع الحفاظ الكامل على الطابع الأثري.
ولم يكن الترميم حجارة فقط، بل عادت معه الروح. فمنذ عام 2015 استعادت الأروقة الأزهرية دورها التاريخي، لتصبح ساحات مفتوحة للعلم والدعوة والفكر، تنوعت الأروقة بين العلوم الشرعية، والدعوة، والقرآن، والإعلام، والفكر والثقافة، واللغات الأجنبية، لتخاطب المسلم المعاصر بلغته وهمومه، دون أن تنقطع عن تراثها العريق.