«عين سحرية» والبيئة في فن التمثيل!

عصام زكريا

عصام زكريا

كاتب صحفي

للنجوم حضورهم وغيابهم، الثقيل في الحالتين، ولكن ما يرفع أو يهبط بالعمل الفني حقاً هو فريق الممثلين المحيطين بالنجم. وفي أحيان كثيرة هم الذين يرفعون أداءه، أو يكشفون ضعفه. والنجم الذكي حقاً هو الذي يحيط نفسه بممثلين جيدين، يساهمون في حمله وحمل العمل. وأفشل أنواع النجوم والنجمات هم الذين ينافسون أو «ينفسنون» على زملائهم وزميلاتهم من لاعبي الأدوار الثانوية. هناك بيئة صحية تساعد الممثل على الإبداع، وهناك «بيئة» مبتذلة وعدائية تخلق التنافر داخل موقع التصوير وعلى الشاشة.

ومن يشاهد بعض مسلسلات رمضان يمكنه بسهولة أن يلاحظ أياً من هذه الأعمال حظي بممثلين ثانويين متميزين أتيحت لهم الفرصة من قِبل المخرج وزملائهم الأكبر كي يعبروا عن مواهبهم وإمكانياتهم، وأياً من هذه الأعمال ساده جو من التوتر والغيرة والخلافات جعلت الكيمياء بين الممثلين مفتقدة، بل سامة أحياناً!

على سبيل المثال، من يتابع مسلسل «عين سحرية» سيشعر غالباً بالارتياح من أداء الممثلين، عصام عمر وباسم سمرة وسما إبراهيم وجنا الأشقر وأحمد بيلا وفاتن سعيد وعمر شريف.. وبقية فريق العمل. وأعتقد أن ذلك يعود إلى طبيعة بطلَي العمل الطيبة، فكل من باسم سمرة وعصام عمر ممتلئان بالثقة والتواضع وتقدير مواهب الغير، وعادة يحبان العمل كفريق وليس كأفراد أو One Man Show، كما يقولون.

وهذا المسلسل نموذج لفريق العمل الذي يتكون من لاعبين متنوعي الأجناس والأعمار والخبرات، ولكنهم يشكلون معاً فريقاً متجانساً، يساعدون ويحمل بعضهم البعض.

هناك نوع من الأريحية يعرفها الممثلون حين يكونون «على راحتهم» أثناء التصوير، حين يسود جو من الود والثقة المتبادلة يجعل الممثل ينسى نفسه ويعيش في الشخصية مع باقي الشخصيات، فيمكنه حينئذ أن يكون صادق التعبير، أو حتى يرتجل بعض التعبيرات والعبارات النابعة من إحساسه بالشخصية، وبزميله الذي يؤدي أمامه. ويظهر ذلك بوضوح في المشاهد التي تجمع عصام عمر في دور عادل، بالموهوب الصغير عمر شريف، في دور أخيه الأصغر حسن.

الأداء هنا يتجاوز حدود الورق والنص المكتوب إلى تلك الدرجة التي تدب فيها الحياة فعلياً داخل الشخصيات، وهو أمر نادر في فن التمثيل بالمناسبة. وعلاقة عصام عمر وعمر شريف ليست استثناء في هذا العمل. هناك أيضاً المشاهد التي تجمع باسم سمرة بعصام عمر: العلاقة هنا معكوسة، فالمحامي ذكي هو بمثابة الأخ الأكبر، بل الأب المفتقد، بالنسبة لعادل، وكممثلين هناك أيضاً فارق الخبرة والعمر بين كل من باسم سمرة وعصام عمر، والتوتر والتعاطف بين الاثنين، كممثلين، ينتقل إلى الشخصيتين، فتكاد تشعر كمشاهد بأن هذا الخوف والعطف والعلاقة السرية التي تربط بين الاثنين صادقة وتنتقل إلى المشاهد.

من مميزات التمثيل في هذا العمل أيضاً أننا نستطيع أن نرى وجوه الممثلين بوضوح، بعيداً عن البودرة والفلاتر والعدسات الناعمة التي تشوه تعبيرات الممثلين أكثر مما تفعل بهم عمليات التجميل. انظر مثلاً إلى سما إبراهيم في دور الأم المريضة، وهي تترك شعرها غير ممشط ووجهها بدون ذرة بودرة واحدة، ولا يقتصر الأمر على الأم، بل الممثلات الأصغر سناً، فاتن سعيد في دور الطبيبة النفسية المريضة بالقلب، وجنا الأشقر في دور طبيبة الحيوانات أسماء، وكل منهما جميلتان ناضرتان ممتلئتان بالتعبير دون حواجز الماكياج الثقيلة التي تخفي وجوه ممثلات كثيرات في مسلسلات أخرى.

مثال آخر، من بين أمثلة كثيرة، من هذا العمل، شخصية «توحة» التي يؤديها أحمد بيلا. صحيح أن وظيفة الشخصية الدرامية هي إشاعة جو من الكوميديا والـ«تفريج الدرامي» dramatic relief بين المشاهد الثقيلة، ولكن هناك انضباط يحولُ دون وصول الأمر إلى التهريج أو الخروج عن الحالة العامة للمسلسل، وفوق ذلك يمكن أن تقارن بين المشاهد التي تجمع «توحة» بصديقه «عادل»، والمشاهد التي تجمعه بالرجل الغامض المخيف «ذكي»، حيث يمكن أن تشعر بعمق الصداقة في العلاقة الأولي، وبالخوف والتوتر في العلاقة الثانية.

وذلك يعود غالباً إلى البيئة الصحية التي يتحرك فيها الممثلون!