«اتنين غيرنا».. من نحن حين ننزع الأقنعة؟

محمد عدوي

محمد عدوي

كاتب صحفي

قد تبدو العلاقات الإنسانية للوهلة الأولى بسيطة الملامح واضحة المسالك كخرائط مطبوعة على ورق الحياة اليومية، لكن الحقيقة أعمق وأشد التواءً، فهي عوالم خفية تتقاطع فيها الرغبات مع المخاوف، واليقين مع الشك، والضوء مع ظلاله الطويلة.. النفوس البشرية لا تقرأ بعين واحدة، بل تحتاج إلى معاجم من التفكير وقواميس من التأمل، وسنوات ضوئية من الصبر لفك طلاسمها وفهم لغتها السرية التى لا تنطق بالكلمات، بل بالانكسارات والتحولات والانفعالات.


اللعب على المشاعر والتحولات الإنسانية كان وسيظل المنبع الأول للدراما والوقود الحقيقي لكل حكاية صادقة.. تنجح الدراما حين تقترب من الإنسان دون أن تدّعي امتلاكه حين تلامس تقلباته، لا لتدينها، بل لتفهمها، وحين تعيش معه ارتباكه، فالنفس البشرية كائن معقّد بطبيعته، متعدد الطبقات، متناقض في لحظة واحدة، يطلب الأمان ويهرب منه، يعشق الضوء ويختبئ في العتمة، وهنا يأتي الدور الجوهري للدراما.. الغوص في هذا البحر العميق وتفكيك التصرّفات وقراءة الانكسارات والانتصارات وتأمل اليقين والغموض ورصد اللحظة التي يولد فيها السؤال قبل أن يولد الجواب.


الحقيقة أن الموسم الدرامي الحالىي يشهد أكثر من عمل يحاول الاقتراب من قنابل النفس البشرية بلا واقٍ وبلا حسابات سلامة، فيُفجر المشاعر دفعة واحدة، وقد يترك خلفه شظايا من الارتباك والضجيج، لكن في المقابل يطل علينا نص بديع صاغته المؤلفة رنا أبوالريش في مسلسل «اتنين غيرنا»، نص يقترب بحذر الحكيم لا باندفاع المغامر.. يفجّر المشاعر دون خسائر ويتركها تنساب في وجدان المتلقي محمّلة بمزيد من علامات الاستفهام والدهشة، يقترب من التحولات الإنسانية ويلمسها ويجبرك أنت أيضاً على الاقتراب، لكن بعين يقظة وقلب متأمل.


في هذا العمل ترسم «رنا» ملامح بشرية شديدة الثراء بدقة من يعرف بواطن النفس، كما يعرف خرائط المدن القديمة.. ترسم صورة زاهية تسر الناظرين وتطرح فكرة دقيقة تعيش فى منطقة التضاد بين الإعجاب بأهل الفن من جهة والخوف من الاقتراب منهم من جهة أخرى، وبين هذين القطبين تنسج سؤالاً إنسانياً كبيراً هل الشهرة تخلق مسافة أم تكشف هشاشة؟ وهل النجومية درع أم قناع؟


نجحت «رنا» في تفكيك الفكرة الشائعة عن مشاهير الفن، وأنزلت عليهم صفة قد ينساها كثيرون.. إنهم بشر مثلنا لهم مشاعرهم وأحاسيسهم وضعفهم واحتياجهم إلى الحب والأمان استطاعت أن تزيل طبقة الأسطورة وتعيد الإنسان إلى مركز الصورة، وأن تكشف أكاذيب الشهرة والنظرة القاصرة للمشاهير، كما عرّت زيف المرافقين والمستفيدين من مجاورتهم أولئك الذين يعيشون في ظل الضوء دون أن يتحمّلوا حرارة الحقيقة.


مسلسل «اتنين غيرنا» واحد من الأعمال الهادئة الرزينة التي تُبرز موهبة رنا أبوالريش مدعومة بجهد كبير من مخرج واعٍ وممتلك لأدوات التطوير والتجديد هو خالد الحلفاوي الذي استطاع أن ينسج خيوطاً متشابكة بكادرات مختلفة وإيقاع بصري خاص وتوظيف مثالى لأبطاله مع إعادة اكتشاف لنجوم كثر من بينهم سحر رامي التي تشعر أنها وجه جديد رغم تجربتها الطويلة وفدوى عابد، التي أصبحت علامة فارقة، بأداء سهل ممتنع بسيط في شكله، عميق في أثره.


أما بطلا العمل دينا الشربيني وآسر ياسين فالحديث عنهما قد يطول، فلأول مرة تشعر بأنهما في مكانهما الصحيح تماماً، «دينا» تنطلق بسرعة الصاروخ، لتخترق جدار الضوء بأداء منضبط وفهم كامل لأبعاد الشخصية وتفاصيلها وانفعالاتها وبمسئولية فنية ونضج واضح، و«آسر» تشعر بأنه ساحر يخرج من جعبته في كل مرة خدعة جديدة تجبرك على الانبهار.. يحمل ملامح مصرية خالصة دون شوائب وجينات الكبار، وأداؤه دائماً مبهر وفذ، لكنه هذه المرة في أوج تألقه.


الكيمياء التي تجمعه بدينا الشربينى رغم أنه العمل الأول الذي يجمعهما، تصنع علاقة إنسانية مشبّعة بالحب والحياة معاً، علاقة نور وحسن تبدو كمرآة لأسئلة الإنسان المعاصر عن القرب والبعد، عن الرغبة والخوف، عن الاحتياج والحرية.


يغرد مسلسل «اتنين غيرنا» وحيداً في صورة مثالية غير مفتعلة، وبدون ضجيج استطاع أن يلامس التعقيدات البشرية التي كانت وستظل المصدر الأهم لاهتمام الدراما الجادة، وهو ما يتسق مع توجّه الشركة المتحدة المنتجة للعمل التي تقدّم الإنسان قبل أى شيء آخر وتضع المشاعر فى مركز الحكاية، لا باعتبارها زينة سردية، بل باعتبارها جوهر الوجود نفسه.


إنه عمل لا يصرخ ليسمع ولا يبالغ ليقنع، بل يهمس ليبقى ويترك في النفس أثراً يشبه السؤال المفتوح من نحن حين ننزع الأقنعة؟ وهل نملك شجاعة الاقتراب من أنفسنا كما اقترب هذا المسلسل من إنسانيتنا؟