‎هل تقترب المواجهة بين إيران وأمريكا من لحظة الانفجار؟

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

سؤال يتردّد بقوة فى الأوساط السياسية والإعلامية، ويشغل الرأى العام العالمى، فى ظل تصاعد حدة التصريحات والتحرّكات العسكرية المتبادلة بين الطرفين.


المشهد يبدو، فى جانب منه، وكأنه لعبة «القط والفأر»، رسائل ردع متبادلة، استعراض للقوة، وتحركات محسوبة بدقة، لكن دون الوصول إلى مواجهة مباشرة، وعلى جانب آخر، تتصاعد المخاوف من أى خطأ فى الحسابات أو قرار متسرع قد يُشعل صراعاً واسع النطاق، قد تمتد تداعياته إلى ما هو أبعد من حدود البلدين، ليؤثر فى استقرار الشرق الأوسط بأكمله، بل وربما فى النظام الدولى برمته.


وكما أن إيران لديها أذرع فى اليمن ولبنان، هناك من مستشارى الرئيس دونالد ترامب من يفضّلون أن تكون المعركة بالوكالة، أى أن تبادر إسرائيل بتوجيه ضربة لإيران قبل أى هجوم أمريكى، وهذا سيناريو مرجّح، ولكنه ليس مؤكداً..

فى المقابل، لا ننسى الدور الكبير الذى تلعبه مصر لإنقاذ المنطقة من حرب تأكل الأخضر واليابس. وقد قام الرئيس عبدالفتاح السيسى بزيارات إلى كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية للتشاور والبحث عن حل لمنع اشتعال فتيل الحرب، وإنقاذ المنطقة من ويلات الصراع، وربما بسبب هذا الدور الذى تلعبه مصر تأخرت الحرب حتى هذه اللحظة.


وتتباين التحليلات بشأن طبيعة ما يجرى، فهناك من يرى أن التصعيد الحالى يدخل ضمن إطار الضغوط السياسية والعسكرية المتبادلة، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه التفاوضية وتعزيز موقعه الاستراتيجى، دون نية حقيقية للانزلاق إلى حرب شاملة، ووفق هذا الرأى، فإن استعراض القوة يهدف إلى الردع أكثر مما يهدف إلى الاشتباك.


وعلى جانب آخر، يحذّر المحللون من أن حجم الحشد العسكرى، إلى جانب الخطاب السياسى المتشدّد، قد يخلق مناخاً يصعب فيه احتواء التصعيد، فالمنطقة تعيش أصلاً على وقع أزمات متشابكة، وأى مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران قد تفتح جبهات متعدّدة، سواء عبر حلفاء الطرفين أو من خلال استهداف المصالح الاستراتيجية فى المنطقة، بما فى ذلك الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز وباب المندب ومصادر الطاقة، وآبار البترول والغاز فى دول الخليج.


من زاوية مختلفة، يذهب البعض من المحللين إلى أن الولايات المتحدة تعتمد سياسة «الضغط الأقصى» مع إبقاء الباب موارباً أمام الحلول الدبلوماسية، وهنا تشعر بالدهاء السياسى لأمريكا التى تريد أن تكتسب مزيداً من الوقت قبل أن تلدغ إيران لدغتها القاتلة، وفى الوقت نفسه تظهر أمام العالم بأنها قدّمت كل الأوراق الدبلوماسية لإيران، وحاولت أن تحل الموضوع سلمياً، ولكن التعنّت الإيرانى رفض أن يستجيب لأمريكا، فأصبحت الحرب لا مفر منها أمراً حتمياً.


فى المقابل، تؤكد إيران تمسّكها بمواقفها، وترى أن برنامجها الدفاعى وقدراتها العسكرية جزء لا يتجزأ من سيادتها وأمنها القومى، كما ترفض ما تعتبره محاولات لفرض شروط أو إملاءات خارجية عليها، مؤكدة أنها لن تتخلى عما تصفه بحقها فى حماية مصالحها الاستراتيجية.


وبين هذين الموقفين، يبقى الاحتمالان قائمين: إما استمرار التصعيد فى إطار «حرب الأعصاب» دون مواجهة مباشرة، وإما الانزلاق إلى صدام قد تكون كلفته باهظة على جميع الأطراف، فالحرب، إن اندلعت، لن تكون محدودة التأثير، بل قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمى وأسواق الطاقة وأمن الملاحة الدولية.


فى المحصلة، تبدو المنطقة وكأنها تسير على حافة دقيقة بين الردع، والانفجار.. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات قاطعة على حتمية الحرب، كما لا توجد ضمانات أكيدة بعدم وقوعها، ويبقى القرار النهائى مرهوناً بحسابات السياسة، وميزان المصالح، وقدرة الأطراف على تغليب منطق التهدئة على منطق المواجهة.


وفى قراءة أعمق لطبيعة الصراع، يتضح أن ما يجرى لا يقتصر على خلاف سياسى عابر، بل يرتبط بإعادة تشكيل موازين القوة فى منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية واستراتيجية. فالولايات المتحدة تسعى لتثبيت معادلة ردع تضمن استمرار نفوذها وحماية مصالحها الحيوية، فى حين تعمل إيران على ترسيخ حضورها الإقليمى وفرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه فى معادلات الأمن والطاقة والممرات البحرية.


غير أن هذا النوع من الصراعات، القائم على اختبار الإرادات وتوسيع هوامش الضغط دون الانخراط فى مواجهة مباشرة، يظل بطبيعته هشّاً وقابلاً للاهتزاز عند أول خطأ فى الحسابات، فكلما ارتفعت مستويات التوتر وتزايدت التحرّكات العسكرية، تضيق مساحة المناورة السياسية، ويصبح التحكم فى مسار التصعيد أكثر تعقيداً.


والخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى قرار متعمّد بإشعال الحرب، بل فى احتمالية وقوع حادث غير محسوب، أو صدور رد فعل متسرّع، أو الانزلاق إلى تصعيد تدريجى يفقد أطرافه القدرة على التراجع، وعندها قد تتحول حالة التوتر المتصاعد إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الطرفين، وتمتد آثارها إلى استقرار الإقليم وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمى.


ومن ثم فإن المنطقة لا تقف أمام مجرد أزمة عابرة، بل أمام اختبار تاريخى لقدرة القوى الكبرى والإقليمية على تغليب منطق التوازن، والعقلانية على منطق المغامرة والمواجهة، فإما أن يبقى الصراع فى حدود الردع المحسوب، وإما أن تفرض لحظة خاطئة واقعاً جديداً قد يعيد رسم خرائط الاستقرار فى الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.


فى النهاية، إننا أمام لحظة تتداخل فيها الحسابات بالانفعالات، وقد تكون الحكمة وحدها هى الفارق بين الردع والانفجار.