سلاح الدراما الرمضانية
لم تعد المواجهة بين الفلسطينيين وإسرائيل مقتصرة على السياسة أو الميدان العسكرى فقط، بل انتقلت منذ سنوات إلى ساحة أكثر حساسية وتأثيراً، وهى ساحة السردية والوعى الجمعى، وهى الساحة التى كانت سبباً للتفوق الإسرائيلى طوال قرن أو أكثر على خصومهم من العرب أو غيرهم، ولطالما استغلوها فى الترويج لمظلوميات كاذبة وحقائق منقوصة وتفسيرات خاطئة للتاريخ والنصوص الدينية، وقد جاء مسلسل «صحاب الأرض» ليكشف بوضوح حجم القلق الإسرائيلى من القوة الناعمة العربية عندما تُستخدم بذكاء واحتراف.
السبب الرئيسى وراء التأثر السلبى الإسرائيلى بالمسلسل لا يتعلق بالعمل الفنى ذاته، بقدر ما يرتبط بما يمثله من تهديد مباشر للرواية التاريخية التى سعت إسرائيل إلى ترسيخها عالمياً منذ قيامها عام 1948، فالسردية الإسرائيلية التقليدية اعتمدت طويلاً على تصوير الصراع باعتباره صراعاً دينياً أو أمنياً أو دفاعياً، مع تهميش الرواية الفلسطينية المرتبطة بالأرض والاقتلاع والهوية، المسلسل أعاد مركز الثقل إلى هذه النقطة تحديداً، الإنسان الفلسطينى وعلاقته العضوية بالأرض.
وقد لعبت الدراما دوراً مختلفاً عن التحليل السياسى، ويعتمد الأخير على شرح وتوضيح القوانين الدولية والمعاهدات السياسية والمناقشات العميقة، والتى لا تستحوذ عادة على اهتمام المواطن البسيط، بعكس الدراما التى تجذب البسطاء ويتفاعلون معها وينتظرونها، لا سيما فى الموسم الرمضانى الأكثر كثافة فى مشاهدة الدراما، وعندما يرى المشاهد العربى، أو حتى الأجنبى عبر المنصات الرقمية، تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين قبل وبعد النكبة، فإن التأثير يصبح وجدانياً لا جدلياً، وهذا تحديداً ما تعتبره المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية خطراً حقيقياً، لأن معركة الرأى العام العالمى أصبحت أحد أهم ميادين الصراع الحديثة.
كما نجح المسلسل فى كسر نمطية الصورة التى روَّجها أباطرة صناعة الإعلام والدراما الغربية لعقود، والتى غالباً ما تختزل الفلسطينى فى إطار سياسى أو أمنى ضيق، فى المقابل، قدّم المسلسل شخصيات إنسانية متعددة الأبعاد، وعرض الإنسان الفلسطينى بدون تصنيفات، بدون أيديولوجيات، بدون تعقيدات سخيفة سحبت كثيراً من رصيد القضية الفلسطينية، ولم تُضف لها شيئاً، هكذا خرجت الرسالة من الأحداث، شعب أعزل يريد أن يعيش، فى مواجهة احتلال يمنعه بكل قوة وعنف من ذلك!
عامل آخر زاد من حساسية العمل بالنسبة لإسرائيل هو توقيته. فالعالم يشهد تحولاً تدريجياً فى المزاج العام، خاصة بين الأجيال الشابة فى الغرب، التى أصبحت أكثر تشكيكاً فى الروايات الرسمية وأكثر تأثراً بالمحتوى الثقافى والرقمى. ومع انتشار المقاطع القصيرة من المسلسل عبر وسائل التواصل الاجتماعى، خرج تأثيره من نطاق المشاهدة التقليدية إلى فضاء عالمى يصعب السيطرة عليه إعلامياً.
إضافة إلى ذلك، فإن نجاح مسلسل عربى بإنتاج قوى وسرد متماسك يطرح تحدياً استراتيجياً لإسرائيل التى استثمرت لعقود فى الدبلوماسية الثقافية والإعلامية لتعزيز صورتها الدولية، فحين تصبح الدراما العربية قادرة على المنافسة فى هذا السياق، فإن ميزان القوة الناعمة سيبدأ فى التحول تدريجياً فى اتجاه الطرف الآخر.
فى النهاية، يتأكد لنا جميعاً أن القلق الإسرائيلى من «صحاب الأرض» لا ينبع من مشاهد أو حوارات بعينها، بل من فكرة أعمق، وهى استعادة الفلسطينى لحقه فى رواية قصته بنفسه، فالصراعات الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل بالقدرة على إقناع العالم بمن يملك الحقيقة الأخلاقية والتاريخية، وقد أثبتت التجارب أن من يحسم معركة السردية يستطيع بكل بساطة أن يحسم باقى المعارك.