باسم سمرة لا يقارن ولا يُستبدل

محمد عدوي

محمد عدوي

كاتب صحفي

على حبلٍ ممدود بين السماء والأرض معلق كقدر لا يعرف التراجع، يمشي باسم سمرة كما يمشي لاعب الأكروبات في السيرك بخفة تبدو مستحيلة، وباتزانٍ يولد من رحم الخطر.. تتوزع عيون المتفرجين تحته بين دهشة وخوف وانتظار خفي لسقوط محتمل.. بعضهم يرفع رأسه إعجاباً، وبعضهم يرفعه قلقاً، وبعضهم يرفعه ترقباً إذا ما اختل الميزان.. لكنه لا ينظر إلى الأسفل لا يعترف بالفراغ الذي يهدده.. يمضي في طريقه برسوخ نادر، كأن السقوط فكرة لا تنتمي إليه.


لعلها الخبرة الطويلة أو التجارب القاسية التي عبرها، أو الانكسارات التي علّمته كيف يقف مستقيماً وهو مثقل، ولكن المؤكد أنه يمتلك إرادة الفنان العاشق، وإيمان العارف الزاهد، ذلك الذي يعرف أن الفن صلاة طويلة لا تؤدي إلا على حافة الخطر.


باسم سمرة ليس مجرد ممثل.. هو تجربة إنسانية فريدة منذ انطلاقته الأولى، مروراً بكل العواصف التي واجهها، وحتى لحظته الراهنة التي تبدو كذروة لا تعرف الاكتمال.. إنه مشروع حياة يكتب على جسد الدراما سطراً بعد سطر.


وفي مسلسل «عين سحرية»، يطل «باسم» على مشاهديه عبر نافذة تشبه العدسة الخفية، عين تتلصص على المشاعر وتعيد ترتيبها.. تظن وأنت تراه كل يوم أنك تشاهد شخصية «عم زكي» المحامي الذي يخفي أسراره كما يخفي الزمن تجاعيده، ويسعى إلى عدالة تبدو خاصة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها معنى العدالة العامة.. تشعر أحياناً أن العكس هو الصحيح.. أن «باسم» هو من يشاهد جمهوره من خلال هذه العين السحرية، يراقب انفعالاتهم، يلتقط دهشتهم، ويضاعفها في المشهد التالي، كأنه يختبر حدود انبهارهم كما يختبر حدود أدائه.. في كل حلقة يتفوق «باسم» على نفسه. يبني قصراً من الأداء تظنه سيظل قائماً إلى الأبد، يناطح السماء بعنفوانه ثم يفاجئك -في الحلقة التالية أو في اللحظة نفسها- بأنه يهدمه بيديه، يسويه بالأرض لا بدافع الهدم، بل بدافع إعادة التشييد.


يهدم ليبني قصراً أكبر، وأجمل وأكثر امتلاءً بالدهشة.


هكذا يصنع فنه.. دورة أبدية من الخلق والفناء، كأن الأداء عنده فعل وجودي لا يكتمل إلا بتجاوز ذاته السابقة.


باسم سمرة مشخصاتي حقيقي، معجون بالدراما كما يُعجن الخبز بالماء والنار، مايسترو لا ينظر إلا إلى آلته الخاصة.. صوته، ونبرته، وجسده، وصمته يعزف كل يوم مقطوعة جديدة لا تشبه ما قبلها، لا يلتفت إلى الخلف ولا يرى الجمهور وهو يقود سيمفونية إبداعه، لا يرى إلا الأمام حيث ملامح «عم زكي» وما تركه الزمن في وجهه من ظلال وما زرعه في روحه من انكسارات وأسئلة.


الحقيقة أن «باسم» في «عين سحرية» لا يقارَن ولا يُستبدَل. حتى لو امتلكنا قائمة من كبار الممثلين المرشحين للدور نفسه سيظل حضوره استثناء. فحرفيته المشبعة بحدود الشخصية وملامحها تجعلك تصدقها بكل حواسك وتتعاطف معها كما لو كانت شخصاً تعرفه منذ زمن.


أما المسلسل نفسه، فهو تجربة درامية مختلفة كلية. نص بديع صاغه هشام هلال، الذى يعيد اكتشاف نفسه هذا العام عبر طرحٍ جديد فى كل أعماله، ومنها «عين سحرية»، حيث يتلصص على المشاعر بلا حسابات الربح والخسارة، ويغامر بالدخول إلى عالم آخر بأداة مختلفة، وبمنظور لا يشبه المعتاد.


ومعه مخرج يقدّم نفسه للدراما المصرية من باب التمكن والانحياز للفن الحقيقي، راسماً صورة مغايرة وإيقاعاً رصيناً، لا تشوبه شوائب الدراما المستهلكة، هو السدير مسعود.


وتكتمل اللوحة بمباراة أداء مبهرة، يشارك فيها عصام عمر، ذلك الفتى الذي يبدو كأنه يحمل على كتفيه مستقبل الدراما لسنوات قادمة.. «عصام» يمتلك موهبة لا يختلف عليها اثنان، لكنه أحياناً يضل الطريق، وربما أدرك بنفسه الفارق بين عملٍ متكامل مثل «عين سحرية» يبرز موهبته ويصقلها، وأعمال أخرى لا تمنحه المساحة ذاتها.. هو يمتلك مقومات النجم الحقيقي، ويجتهد، ويجني ثمار اجتهاده ببطءٍ يشبه النضج.
كما يقدّم المسلسل وجوهاً جديدة ومختلفة، مثل الشاب أحمد بيلا، والشاب عمر شريف، ولكلٍ منهما حكاية أخرى تستحق أن تروى لاحقاً..


«عين سحرية» وجبة فنية متكاملة العناصر.. نصاً وتمثيلاً وإخراجاً، وروحاً. تجربة تُحسب من جديد للشركة المتحدة، التي تراهن على الفنان والإنسان معاً، وتكسب الرهان فى كل مرة.. هو عمل لا يكتفي بأن يشاهَد بل يحس كأن العين السحرية لا تراقب الشخصيات وحدها بل تراقبنا نحن، وتعيدنا إلى أنفسنا قطعة قطعة.