الفوضى التي خلقتها إسرائيل بطلها «القواعد الأمريكية»!

د. دينا خليل

د. دينا خليل

كاتب صحفي

منذ يومين وشعوب الشرق الأوسط تشهد تحولات قاسية في طبيعة حياتها اليومية بعدما أصبحت شاشات الأخبار تقسم إلى أجزاء وأجزاء من كثرة تعدد أطراف الصراع. الأيام الرمضانية المقدسة تشهد اعتداءات سافرة على الأراضي العربية لسببين رئيسيين: الأول بدء تنفيذ خطة إسرائيل في التوسع بالإطاحة بالنظام الإيرانى، والثانى هو وجود القواعد الأمريكية على أراضي الدول العربية لنرصد هنا حقيقة ثابتة وهو الاستقلال المصري العظيم و«نعمة» القيادة المصرية الحكيمة التي نحمد الله عليها حيث جعلت المواطن المصري ينعم في صيامه ويتابع الصواريخ من خلال شاشته في بيته الآمن.


في تحول دراماتيكي غير مسبوق، لم تعد الحروب في الشرق الأوسط مجرد مواجهات إقليمية متقطعة بل دخلت المنطقة مرحلة تصادم مباشر بين قوى عظمى. نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربة جوية واسعة استهدفت عمق إيران وأثمرت عن اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين في إيران، في ضربة وصفت بأنها واحدة من أعنف العمليات في تاريخ الصراع الإقليمىي.

الضربة لم تكتفِ باستهداف القيادات في طهران بل شملت ضربات مكثفة على مواقع استراتيجية وحيوية. وأكدت التحليلات الاستراتيجية أن التنسيق الاستخباراتي بين الاستخبارات الأمريكية والموساد الإسرائيليكان محورياً في تنفيذ العملية. لم يكن الرد الإيراني منتظراً طويلاً. أعلنت طهران إطلاق صواريخ باليستية وانشطارية وطائرات مسيّرة نحو الأراضى الإسرائيلية وقواعد أمريكية في دول الخليج، وهو تحرك فتح فجأة جبهة مواجهة لم تعد داخل حدود طهران أو تل أبيب فقط. كما أعلن الحرس الثوري الإيراني حظر مرور السفن عبر مضيق هرمز ما جعل هذا الممر الحيوي في قلب أزمة جيوسياسية واقتصادية عالمية.


في خضم هذه الأحداث المؤلمة، وقعت واحدة من أكثر الجرائم الإنسانية استهدافاً للمدنيين: قصف مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة «ميناب» جنوب إيران خلال الغارات الجوية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 165 طالبة وإصابة عشرات آخرين وفق الإحصاءات الرسمية الإيرانية لتتجاوز المجازر الإسرائيلية حدود فلسطين دون أي ردع من دول العالم المتحضر! هذه الضربات لم تكن على مبانٍ عسكرية بل على مدنيين لتصنع كارثة إنسانية يعيشها الإيرانيون في مناطق الصراع، مع ارتفاع حصيلة الضحايا أيضاً في ضربات على منشآت أخرى، بما في ذلك صالة رياضية أودت بحياة لاعبات رياضيات ورفع إجمالى القتلى في حملة الضربات إلى أكثر من 200 قتيل، وهو رقم مرشح للزيادة في ظل استمرار العمليات. الرد الإيراني الذي شمل دول الخليج أدى إلى توسّع رقعة القتال ومخاوف من امتداد الصراع ليشمل أجزاء أكبر من الشرق الأوسط.


هذا التصعيد الواسع يؤدي إلى تصادم مصالح النفوذ الاستراتيجي مع الأزمات الاقتصادية والعجز عن حل الأزمات السياسية بالطرق الدبلوماسية. اغتيال شخص بوزن «خامنئي» ليس كما كانت الضربات التقليدية في النزاعات السابقة، كذلك استغلال أمريكا لقواعدها العربية في الخليج ألقى بظل ثقيل من عدم الاستقرار الذي يصعب التراجع عنه بسهولة، حيث جعلت أمريكا هذه الدول طرفاً في الصراع عنوة! هذه الحرب لا تنفصل عن الواقع الإقليمى الأوسع: انهيار مسارات التفاوض، تناحر المحاور الدولية على النفوذ والطاقة، وتشرذم القوى العربية في مواقعها بين من يدعم الحراك الأمريكي الإسرائيلي، ومن يرفض التدخلات الأجنبية، ومن يحاول الحفاظ على توازن هش بين القوى.


بالنسبة إلى مصر اقتصادياً تعطل الملاحة في مضيق هرمز يؤثر على عمل قناة السويس ما يستدعي سياسات اقتصادية أكثر مرونة واستراتيجيات طاقة بديلة. من ناحية الأمن القومى، أى اتصال عسكرى قد يمتد إلى دول الجوار يؤثر بلا شك على الأمن الإقليمي. لذلك تركز القاهرة على تعزيز التنسيق الأمني مع شركائها الإقليميين والدوليين، لتأمين الممرات البحرية، وحماية المصالح الاستراتيجية. وعلى الصعيد السياسي فإن مصر تتبنى موقف «الحياد النشط» فهى ليست طرفاً في الصراع، لكنها لن تبقى متفرجة أمام خطر انتقال الفوضى إلى محيطها المباشر. القاهرة تحافظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وبعض دول الخليج، وفي الوقت ذاته تعمل على الحفاظ على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف لتفادى انزلاق الصراع إلى مسار يصعب السيطرة عليه.


إنها لحظة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث إذ يواجه أزمة ثقة في قدرة النظام الدولي على ردع الجرائم الإسرائيلية وإدارة الخلافات دون دفع الشعوب الثمن الأكبر، فالاختبار الحقيقى ليس فيمن يطلق النار أكثر، بل فيمن يعرف كيف يخرج من هذا البركان بأقل الخسائر وأكثر قدرة على حماية شعبه ومصالحه.