«رأس الأفعى»

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

ما فعله إرهاب الإخوان في مصر، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، يتجاوز حدود الجريمة، فهو أشبه بالوباء، أو السرطان، أو الغرغرينا، لذلك يحتاج إلى ذاكرة حاضرة، دائمة التجدد، وليس أفضل من فن الدراما لإنعاش تلك الذاكرة، والمسلسلات التي تتناول فترة الإخوان ليست رفاهية أو ترفاً، لكنها مقاومة لألزهايمر النسيان، الذي يجعل البعض يتآلف ويتصالح مع الغرغرينا الإخوانية التي لا علاج لها إلا البتر.


جاء مسلسل «رأس الأفعى» لوضع النقط على الحروف، وإثبات أن خلاف المصريين مع الإخوان ليس خلافاً في وجهات النظر، فهم لا يقدمون رأياً آخر، بل يقدمون نفياً للرأي، فمن يدعى أنه يتحدث باسم الله ينفيك كشخص، فهو يتاجر بالدين من أجل السياسة، واختيار شخصية محمود عزت بالذات اختيار ذكى، فهو الذيأنعش الاتجاه القطبي، المستمد من أفكار سيد قطب، والذي كان عاجلاً أم آجلاً كان سيسود، فالفكر التكفيري لم ولن يجنح إلى التصالح مع المجتمع، واحترام فكرة الوطن، وما كان يقدمه بعض الإخوان من وجه طيب متسامح، كان قناعاً يخفي أنياب دراكولا.


منح شريف منير دور محمود عزت بعداً فضح اللؤم والخبث للقيادات الإخوانية، التي لا شاغل عندها إلا كرسي الحكم، وسحق الآخر، وأقصد بالآخر هنا ليس غير المسلم فقط، ولكنه غير الإخواني، فهم يعتبرون أنفسهم الفرقة الناجية، أدى شريف الدور ببراعة وتقمص وفهم عميق، فضح المسلسل انحطاط وغلظة وقسوة وجلافة هذا الفكر التكفيري العفن، تفجير أعمدة الكهرباء ونزع قضبان السكك الحديدية وإغراق الشارع بالزيت وتعطيل المرور في الأنفاق بالعمد، ووضع المتفجرات في الجامعات والمستشفيات!!، اغتيالات لرجال قضاء مهمتهم كانت تحقيق العدالة، المهم نشر الفوضى والخراب، والجلوس على عرش مصر ولو أطلال أو خرابات أو تلال جماجم، المهم السلطة ثم السلطة، يرفعون شعار الإسلام هو الحل، واللافتة المخفية القتل والإرهاب والإقصاء هم الحل.


قدم المسلسل استعراضاً برقة وإنسانية حقيقية حياة رجل الأمن الوطنى، كيف يضحى بأمان حياته ووقت أسرته وأولاده من أجل بقاء وحياة هذا الوطن، مصر المحروسة، قدم مسلسل رأس الأفعى ضابط الأمن الوطني كإنسان عادي وليس كسوبرمان أو رجل فولاذي، له عاطفة، واحتياج إنساني، وأسرة تخاف عليه وتحتاج إليه، كشف لنا المسلسل أيضاً عن دور التكنولوجيا الحديثة في متابعة الإرهابيين، في معركة في غاية الصعوبة، مع الذئاب المنفردة، التي لا بد أن تسبق فيها بخطوة ضد أشباح سيكوباتيين.


أمير كرارة وأحمد غزي وكارولين عزمي كانوا في أجمل حالات لياقتهم الفنية، رفع المسلسل الستار عن شيء كان مخفياً عن معظم المصريين، وهو دور نساء الإخوان في نشر الفوضى والدمار بعد فض اعتصام رابعة، وضمان أن المراقبة الأمنية ستصبح من نصيب الرجال فقط، منح هذا الاطمئنان دوراً خطيراً للأخوات في الجماعة في المشاركة بقوة في تلك العمليات الإجرامية، وهذه كانت نقطة غاية في الخطورة، وقد طمأننا المسلسل أنها موضوعة في الاعتبار، مسلسل رأس الأفعى سيظل نقطة مضيئة في الدراما المصرية.