«اتنين غيرنا».. العالم الممتع لرنا أبوالريش وخالد الحلفاوي

في زمن تتعالى فيه وتيرة التصاعد الدرامي بالصراخ والمطاردات، يأتي مسلسل «اتنين غيرنا» كهمس مسموع، كتلك المحادثات التي لا تقال في العلن، حين تحادث نفسك أحداً وأنت تواجهها في المرآة. العمل لا يقدم حكاية حب تقليدية بقدر ما يقدم تشريحاً بطيئاً لروحين تعلمتا، عبر سنوات من الخذلان، ألا تثقا بأحد، ثم كانت المفاجأة بأن الحياة ما زالت قادرة على إدهاشهما.


تبنى السيناريست رنا أبوالريش عالماً خاصاً، قوامه العائلة وشلة الأصدقاء، هذا هو النمط الذي تسير عليه، قدمته من قبل في كامل العدد بأجزائه والذي كتبته مع يسر طاهر، وقدمته في العمل الكوميدي «سيب وأنا أسيب»، هي دائماً تلعب على وجود عائلة لها تأثير واضح جداً في تحرك الشخصيات، ووجود أصدقاء متفرقين قادرين على التأثير في الخطوط الدرامية، وليسوا فقط «سنيدة» للأبطال.


لا يهمش السيناريو شخصياته الثانوية، العائلة وشلة الأصدقاء، بل يجعل منها دوائر ضغط إضافية، كل منها يحمل رؤية مختلفة للعلاقة. هناك من يدفع نحو الارتباط، ومن يحذر منه، ومن يراقب بصمت. هذه التعددية تمنح العمل بُعداً اجتماعياً واضحاً، وتخرج العلاقة من كونها شأناً خاصاً إلى كونها انعكاساً لثقافة كاملة تخاف الوحدة لكنها لا تعرف كيف تداويها.


الدراما الرومانسية المصرية، عبر تاريخها، انقسمت بين نمطين واضحين: الأول حب تقليدى تقف في وجهه عقبات خارجية من عائلة أو مجتمع، والثاني حب مأساوى يختزل العلاقة في مرض عضال أو فاجعة كبرى. «اتنين غيرنا» يختار لنفسه منطقة ثالثة، أكثر وعورة وتعقيداً، إنها منطقة الخوف النفسي غير المرئى، حيث العدو الحقيقي ليس المجتمع ولا الظروف، بل الذاكرة والهواجس وتلك الجروح القديمة التي لا تندمل.


الرهان هنا لم يكن على حبكة مشدودة بالصدمات والانقلابات، رغم وجود بعضها بسبب علاقة شخص عادي بفنانة نجمة، لكن كان الرهان على سؤال وجودي عميق: هل يمكن لعلاقة عاطفية أن تنقذ إنساناً من خوفه المزمن من حبه السابق؟


هل الحب وحده كافٍ لعلاج من تعلم عبر تجاربه السابقة أن الارتباط يعني الخسارة حتماً؟


أحد أكثر العناصر جمالاً في المسلسل هو تناوله لما يمكن تسميته «الاكتئاب عالي الأداء»، تلك الحالة التي يبدو فيها الفرد من الخارج متماسكاً ناجحاً، بينما يعيش في الداخل حالة انطفاء بارد. لا يطرح هذا المفهوم هنا كشعار نظري، بل يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية للشخصيتين.


في شخصية «حسن»، يقدم آسر ياسين أداء يعتمد على الاقتصاد في الحركة والتكثيف في التعبير. إنه ليس من أولئك الممثلين الذين يحتاجون إلى مشاهد صاخبة ليثبتوا قدرتهم، بل هو ممثل التفاصيل الدقيقة، النظرة التي تحمل أكثر مما تقول، والوقفة التي توحي بتردد عميق. المدهش في أدائه أنه ينجح في جعل المشاهد يقرأ أفكار الشخصية حتى في صمتها المطبق.


«حسن» كما يجسده «آسر»، ليس مجرد رجل مطلق يعاني من الوحدة، إنه نموذج لرجال كثر في مجتمعنا، أولئك الذين تعلموا منذ الصغر أن الرجل لا يبكي، لا يشتكي، لا يعترف بالهزيمة، فيحتفظون بكل جراحهم داخل قبو مظلم، حتى يأتي يوم يكتشفون أن القبو امتلأ عن آخره ولا يعودون قادرين على استيعاب المزيد.


أما دينا الشربيني، فتواجه في دور «نور» تحدياً مزدوجاً: أن تلعب دور ممثلة مشهورة، أى أن تمثل التمثيل نفسه، وأن تخلق مسافة بين «دينا» الشخص الحقيقى، و«نور» الشخصية الدرامية، مع الحفاظ على تدفق المشاعر الإنسانية الصادقة. تنجح في هذه المهمة الصعبة بتألق واضح، فـ«نور» ليست مجرد نسخة كربونية من نجمات الواقع، بل هي حالة إنسانية مركبة، امرأة تبحث عن الحب كملاذ من شهرتها، عن دفء العلاقة الإنسانية العادية التي لا ترصدها عدسات الفضائح.


العلاقة ما بين «حسن» و«نور» لا تقوم على الحوار المباشر وحده، بل على الصمت المشترك، على اللحظات التي يقال فيها نصف الكلام ويُترك النصف الآخر للمشاهد ليخمنه.


المخرج خالد الحلفاوي يميل إلى إيقاع داخلي هادئ يترك للممثلين مساحات للتنفس. اختياراته البصرية تبتعد عن الصخب لصالح لقطات مطولة تعطي المشاهد فرصة للتأمل في تفاصيل الوجوه. العيادة النفسية حيث يلتقي البطلان للمرة الأولى، تتحول إلى فضاء درامي خاص، مكان للكشف والمواجهة، حيث تسقط الأقنعة واحداً تلو الآخر.


«الحلفاوي» اختار نمطاً رائعاً في الحلقات الأولى في جمعه بين الطرفين في شاشة منقسمة، استمرت تلك الشاشة حتى وصلا لأن يكونا معاً، ومع حدوث أي أزمة عادت الشاشة للانقسام مرة أخرى، فهو هنا يخلق وجهة نظر بالكاميرا ليعبر عن تقارب الشخصيتين وتباعدهما في نفس اللحظة.


الانتقالات بين عالم «حسن» الهادئ المنظم، وعالم «نور» الصاخب تحت الأضواء، تعكس بشكل بصري الازدواجية التي تعيشها كل شخصية. شقة حسن بتفاصيلها الذكورية البسيطة، مقابل حياة نور المزدحمة بالتصوير والمقابلات والفضائح. ثم يأتي الشاليه في العين السخنة ليجمع العالمين في مساحة محايدة، حيث يمكن للحب أن يولد بعيداً عن ضغوط المدينة.


بطء إيقاع «اتنين غيرنا» هو عين القوة، فالتعافي أو المواجهة مع الماضي لا يحدثان بانفجار درامي، بل بتراكمات هادئة، بخطوات صغيرة نحو النور، باعترافات لا تقال في لحظة واحدة، بل تتسرب عبر الوقت.


«اتنين غيرنا» لرنا أبوالريش وخالد الحلفاوي، يصنع الفريق عالماً ممتعاً، خطفنا بهدوئه اللذيذ وإيقاعه البطىء، لا يسعى إلى نهاية مثالية بقدر ما يسعى إلى نهاية صادقة. بين جرأته في طرح الخوف النفسي، وتحفظه في الإيقاع، يقف العمل كتجربة رومانسية اجتماعية ناضجة، تفتح باباً لحب أقل مثالية وأكثر إنسانية، حتى لو كان الطريق إليه أطول وأثقل مما اعتدناه، وفى النهاية، ينجح في كسر الجدار الرابع مع المشاهد، ليس عبر الحوار المباشر، بل عبر وضع اليد على جروح نفسية مسكوت عنها في دراما الرومانسية التقليدية.