«بركة رمضان».. عندما تتحول الشاشة إلى مساحة للخير العام
في زحام البرامج الرمضانية التي تتنافس على نسب المشاهدة، يبرز برنامج «بركة رمضان» الذي يقدمه الفنان سامح حسين بوصفه تجربة مختلفة، لا تراهن فقط على الترفيه أو الإثارة، بل تراهن على قيمة إنسانية خالصة، وهي إعادة الاعتبار لفكرة «البركة» في زمنٍ تزداد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. بالطبع لا أستطيع إخفاء حبي وتقديري للصديق سامح حسين على المستوى الشخصي، لكن هنا البرنامج لا يقدّم نفسه باعتباره مجرد فقرات لمساعدة المحتاجين، بل باعتباره مساحة لإحياء روح التكافل التي ارتبطت تقليدياً بشهر رمضان، وهنا تكمن أهميته الحقيقية وحلاوة وجمال فكرته، طرحت أسئلة مثل ما قيمة الشاشة إذا لم تلامس حياة الناس؟ وما جدوى الشهرة إذا لم تتحول إلى أداة نفع عام؟
تأتي أهمية «بركة رمضان» من كونه لا يكتفي بتقديم المساعدة، بل يقدّم الحكاية، فكل حالة إنسانية في البرنامج ليست رقماً في كشف تبرعات، بل قصة كاملة من كفاح، وألم، وصبر، وأمل.
هذه المقاربة تعيد تعريف العمل الخيري إعلامياً، فالخير هنا ليس استعراضاً، بل مشاركة وجدانية، فالكاميرا هنا لا تتعالى على أصحاب الحكايات، بل تنزل إلى تفاصيل حياتهم اليومية، وتمنحهم مساحة للحديث بكرامة، وهنا يصبح البرنامج أداة توعية اجتماعية بقدر ما هو منصة دعم لهم في ظل تحديات اقتصادية يواجهها قطاع واسع من المواطنين، وهنا تأتي أهمية البرنامج في تذكير المجتمع بقيمة «اليد الواحدة» أو «الطبق الدوار» في كل عمارة خلال الشهر الكريم، فرمضان بطبيعته شهر العطاء، لكن الإعلام أحياناً يختزل هذه القيمة في إعلانات أو لقطات عابرة.
«بركة رمضان» يعيد الروح للفكرة، وهي أن التضامن ليس موسمياً فقط، بل سلوك يجب أن يكون يومياً. حين يشاهد الجمهور قصصاً حقيقية لأسر تواجه صعوبات، ثم يرى أثر الدعم المباشر في حياتهم، تتولد قناعة بأن المشاركة، ولو كانت بسيطة، قد تغيّر مصير إنسان.
اختيار سامح حسين لتقديم البرنامج لم يكن عشوائياً، فالرجل الذي ارتبط اسمه بالكوميديا النظيفة والأدوار القريبة من الناس، يمتلك رصيداً من القبول الجماهيري، هذا القبول يمنح البرنامج مصداقية إضافية.
سامح حسين لا يظهر كمقدّم تقليدي، بل كشخص يشارك الضيوف مشاعرهم، فنبرة صوته، وطريقته في الحوار، وحتى تعبيرات وجهه، تمنح الحلقات طابعاً إنسانياً بعيداً عن التصنّع، وهنا تتحقق المعادلة الصعبة في الحضور الفني دون استعراض، والتأثير العاطفي دون مبالغة.
هنا تأتي أهمية مواجهة سطوة «التريند» برسالة مستدامة في عصر تحكمه منصات التواصل الاجتماعي، فكثير من البرامج تسعى إلى «اللقطة الفيروسية» التي تنتشر بسرعة وقد يكون تأثيرها أقوى من فيروس خبيث، لكن أهمية «بركة رمضان» تكمن في أنه لا يعتمد على الصدمة أو الإثارة، بل على التراكم الهادئ للثقة رغم أن بعض حلقاته تتصدر التريند، ولكن شتان بين التريند الحقيقي والمدفوع، فالقيمة الحقيقية ليست في عدد المشاهدات، بل في الأثر الممتد، فهنا ديون تُسدَّد، بيوت تُرمَّم، أحلام بسيطة تتحقق، بل يتحول الإعلام من ناقل للخبر إلى شريك في الحل وأن البساطة أحياناً أقوى من الضجيج.