السياسة الخارجية المصرية.. واقعية في عالم متقلب (1)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

يعيش العالم الآن تحت مظلة نظام دولى أكثر اضطراباً من أى وقت مضى، يتبدل إيقاعه على نحو متسارع، وتتشابك فيه الأزمات الإقليمية بالصراعات الدولية، ويتصدر منطق القوة الواجهة. من هنا برزت الحاجة إلى نمط مختلف من السياسة الخارجية، لا يراهن على أوهام الثوابت الأيديولوجية، ولا ينجرف وراء موجات الاستقطاب الحاد، ويصوغ خياراته على أساس القراءة المتأنية للمصالح، وقدرة على التكيّف مع التحولات الكبرى دون أن تفقد بوصلتها الاستراتيجية، فى حقل ألغام إقليمى ودولى بالغ التعقيد. من هذا المنطلق، يمكن قراءة السياسة الخارجية المصرية بوصفها نموذجاً لـ«الواقعية الرشيدة»، التى تدير المصالح بلا شعارات، وتوازن بين المبادئ والضرورات، وتتحرك وفق حسابات دقيقة فى عالم شديد التقلب. هذا النموذج لافت لما يمكن تسميته بـ«هندسة السياسة الخارجية»، على ضوء نجاح مصر فى إدارة علاقاتها الدولية بكفاءة ملحوظة، محققة معادلة صعبة، بالحفاظ على استقلالية اتخاذ القرار، وتعظيم المكتسبات، وتجنب الانجرار إلى صراعات لا طائل من ورائها.
السنوات الأخيرة كشفت عن حجم التحديات التى تحيط بمصر، أزمات فى جوارها المباشر، صراعات ممتدة فى ليبيا والسودان، اضطرابات فى القرن الأفريقى، وتصعيد مستمر فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وتوترات فى شرق المتوسط.
فى هذا السياق المعقد، لم تنزلق القاهرة إلى سياسات انفعالية، ولم تنغلق على نفسها، واختارت توسيع دوائر الحركة، وتكثيف الشراكات، وتعزيز حضورها فى الملفات الإقليمية الحساسة. تقوم الفلسفة الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية اليوم على مفهوم «التوازن الاستراتيجى»، وهو مفهوم روج له الرئيس عبدالفتاح السيسى كأساس للتعامل مع عالم تآكلت فيه قواعد النظام الدولى، وأصبحت الانتقائية والمعايير المزدوجة هى السمة الغالبة. هذا المفهوم لا يعنى الحياد السلبى أو التردد فى اتخاذ المواقف، لكنه يعنى بالدرجة الأولى الحفاظ على هامش من المناورة فى بيئة دولية يمكن للتحالفات الجامدة أمامها أن تتحول بسرعة إلى عبء استراتيجى. ما يميز هذا التوجه أنه لم ينبثق من فراغ نظرى، بل تشكل نتيجة تراكم الخبرات منذ عام 2011، حين انكشفت تبعات انهيار الدولة فى الجوار العربى، وتفشى التنظيمات المتطرفة، وتعدد أشكال التدخل الخارجى. هذه التجارب علمت القاهرة أن الجمود الأيديولوجى فى السياسة الخارجية رفاهية لا يمكن لدولة فى محيط مضطرب أن تتحمل تكلفتها. على المستوى العربى، استعادت مصر دورها المحورى، ليس بوصفه دوراً رمزياً، بل كفاعل رئيسى فى إدارة الأزمات. فى القضية الفلسطينية، ظل الموقف المصرى ثابتاً فى الدفاع عن حل الدولتين، ورفض التهجير، والتأكيد على مركزية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى. هذا الموقف لم يكن مجرد خطاب سياسى، وتمت ترجمته إلى جهود وساطة مستمرة لوقف إطلاق النار، وتسهيل إدخال المساعدات، والحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة بين الأطراف المختلفة.
وفى ظل التصعيد الإسرائيلى المتكرر، برزت القاهرة كطرف يحظى بثقة نسبية من جميع الأطراف، وهو ما يعكس رصيداً دبلوماسياً متراكماً عبر عقود. وفى الملف الليبى، تحركت مصر وفق معادلة دقيقة، تستهدف حماية الأمن القومى المصرى غرباً، ودعم مسار الدولة الوطنية الليبية، مع تجنب الانخراط فى صراعات مفتوحة. ودعم القاهرة للمؤسسات الوطنية الليبية، ورفضها لانتشار الميليشيات، وإصرارها على حل سياسى شامل، أسهم فى إعادة ضبط التوازنات، ومنع انزلاق الأزمة إلى ما هو أخطر. وفى السودان، وازنت مصر بين الدعم السياسى لمبادرات وقف إطلاق النار، واستضافة مئات الآلاف من النازحين وتوفير الخدمات الأساسية لهم، فى إطار التزامها الإنسانى والعروبى، ودورها التاريخى أيضاً. أما فى ما يتعلق بأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، فقد أدركت مصر مبكراً أهمية التحالفات متعددة الأطراف.
وكان تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط خطوة ذكية لتعزيز المصالح الاقتصادية وربطها بإطار مؤسسى إقليمى، بما يحول دون تحول موارد الطاقة إلى مصدر صراع. وكذلك أسهم تعزيز التعاون مع دول الخليج فى بناء شبكة أمان سياسية واقتصادية، عززت من قدرة الدولة على امتصاص الصدمات. وفى أفريقيا، عادت مصر بقوة إلى عمقها الاستراتيجى، ومنذ رئاستها للاتحاد الأفريقى فى 2019، كثفت القاهرة حضورها الدبلوماسى فى ملفات التنمية والأمن، وأعادت التأكيد على أن الأمن المائى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى. وفى قضية سد النهضة تمسكت مصر بخيار التفاوض، ورفضت فى الوقت ذاته فرض الأمر الواقع، محافظة على خطاب قانونى يستند إلى قواعد القانون الدولى ومبادئ الاستخدام العادل للموارد المائية.
وللحديث بقية.