سطوة اللغة

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

لولا اللغة، ما كانت الحضارة أو التواصل بين البشر. الفرق بين الإنسان والحيوان، اللغة. التاريخ لغة دونت الجغرافيا لغة نعرف بها الأماكن. من أقوى ما قيل في اللغة التي هي الكلمة، ما كتبه عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحية «الحسين شهيدا»: أتعرف ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة في كلمة، ودخول النار على كلمة، وقضاء الله هو الكلمة. الكلمة لو تعرف حرمة، زادٌ مذخور. الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور. بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري. الكلمة فرقان بين نبي وبغي. بالكلمة تنكشف الغمة. الكلمة نور، ودليل تتبعه الأمة. عيسى ما كان سوى كلمة.

هذا المقطع يعد من أشهر ما كتب في الأدب العربي عن قوة اللغة، لأنه يلخص فكرة أن الكلمة ليست مجرد صوت، بل قوة أخلاقية وتاريخية قادرة على الهداية أو الضلال، وعلى بناء الحضارة أو هدمها. اللغة ليست مجرد أصوات تتردد في الهواء أو حروف ترص على الورق، بل الإطار الخفي الذي يتشكل داخله وعي الإنسان، والوعاء الذي تحفظ فيه ذاكرة الحضارات. منذ اللحظة التي تعلم فيها الإنسان أن يسمي الأشياء من حوله، لم يعد العالم كما كان من قبل، صار قابلاً للفهم، قابلا للحفظ، وقابلا للنقل عبر الأجيال. بذلك المعنى لم تكن اللغة اختراعا بسيطا في تاريخ البشر، بل كانت حدثا حضاريا عظيما نقل الإنسان من الوجود البيولوجي الخام إلى الوجود الثقافي الواعي.

منحت اللغة الإنسان القدرة على أن يروي ما حدث، وأن يتخيل ما لم يحدث بعد. بها كتب التاريخ، وبها ولدت الأساطير، وبها تشكلت القوانين والشرائع والقصائد والخطب. غير أن هذه القوة الهائلة لم تكن دائما قوة تحرير فحسب، بل كانت كذلك قوة تأثير وهيمنة. فاللغة التي تنير العقول قادرة أيضا على أن تحجب عنها الرؤية، والعبارة التي توقظ الوعي قد تصبح أداة لتوجيهه أو السيطرة عليه.

عبر التاريخ أدركت السلطة السياسية مبكراً أن السيطرة على الناس لا تتم بالقوة وحدها، بل بالكلمات التي تصوغ تصورهم للعالم. فالخطاب السياسي لم يكن يوماً مجرد وصف للواقع، بل كان في كثير من الأحيان صناعة لذلك الواقع. الكلمات تختار بعناية، والمصطلحات تصاغ بذكاء، حتى تتحول اللغة إلى أداة تشكيل للوعي الجمعي. عندما تسمى الحرب دفاعاً، أو يسمى القمع استقراراً، فإن اللغة هنا لا تعكس الحقيقة بل تعيد ترتيبها في ذهن الإنسان. هكذا يجد الناس أنفسهم أحياناً يعيشون داخل عالم لغوي صمم بعناية ليقود مشاعرهم وأفكارهم في اتجاه محدد.

استبداد اللغة لا يقتصر على السياسة وحدها، بل يمتد إلى عمق التجربة الإنسانية نفسها. فالإنسان لا يفكر خارج اللغة بسهولة، أفكاره تتشكل داخل حدود الكلمات التي يعرفها، وتصوره للعالم يتأثر بالبنية اللغوية التي تربى عليها. كل لغة تقدم لأبنائها طريقة معينة في رؤية الزمن والذات والآخر. لذلك فإن الإنسان، من حيث لا يشعر، يعيش داخل شبكة لغوية ترسم حدود خياله وتحدد طرق تعبيره وفهمه.

المفارقة، أن اللغة التي قد تستبد بالإنسان هي في الوقت نفسه أداته الوحيدة لمقاومة ذلك الاستبداد. فالوعي باللغة هو الخطوة الأولى للتحرر من سحرها. حين يدرك الإنسان أن الكلمات ليست بريئة دائماً، وأن المصطلحات قد تحمل وراءها مصالح وأفكاراً خفية، يصبح قادراً على تفكيك الخطاب الذي يحيط به. في تلك اللحظة تتحول اللغة من قيد إلى أداة نقد، ومن وسيلة للهيمنة إلى وسيلة للفهم. سارت الحضارات كلها على هذا الخيط الدقيق بين سلطة اللغة وحرية الإنسان. بها أُقيمت الإمبراطوريات عبر الخطب والشعارات، وكتبت أعظم نصوص الحكمة التي دعت إلى الحرية والعقل. لذلك يمكن القول إن تاريخ الإنسان ليس فقط تاريخ حروب واكتشافات، بل هو أيضاً تاريخ كلمات، كلمات أقنعت شعوباً، وأشعلت ثورات، وبنت أفكاراً ما زالت تؤثر في العالم حتى اليوم.

باللغة تحول مسار الإمبراطورية الرومانية بعد مقتل قيصر، استطاع أنطونيو بكلماته القوية تغيير مشاعر الشعب الروماني ودفع الناس لمطاردة قتلة قيصر. يعرف خطاب أنطونيو بخطاب جنازة قيصر، ويمثل نموذجاً كلاسيكياً لقوة الكلمة في تحريك الرأي العام. ويمكن تلخيص النص بأبرز عباراته التي أظهرت أسلوبه البلاغي: أصدقاء، رومان، مواطنون، اسمعوا كلماتي. لقد جاء قتلة قيصر لينعتوه بالخائن، لكن ما فعلوه ليس إلا جريمة ضدكم جميعاً. لقد أحب قيصر شعبه، وكان رجلاً عظيماً. أتروني أكذبكم؟ أنظروا إلى جراحه، إلى دمائه، إلى كل ما تركه من محبة لكم. ألن تسمعوا، أيها الشعب، كم أحبكم؟ أتركوني أريكم كيف يقتل الرجل العظيم؟ لقد مات، نعم، لكن ليس قبل أن يجعل قلوبكم تتقلب بالحزن والغضب، فلتثوروا، فلتنتقموا من قتلة صديقي.

تبقى اللغة أعظم أدوات الإنسان وأخطرها في الوقت ذاته. إنها الجسر الذي عبرت عليه الحضارة من الصمت إلى المعنى، لكنها أيضاً المرآة التي قد تظهر العالم على غير حقيقته إذا لم ينظر إليها الإنسان بعينٍ ناقدة. بين هذين الحدين، حد الإبداع وحد الهيمنة، يستمر الإنسان في رحلته الطويلة مع اللغة، يصوغها فتعود لتصوغه، ويستخدمها لتفسير العالم بينما تعيد هي تشكيل طريقته في رؤيته وفهمه.