أطفال «الفشل الكلوي».. صغار على دوامة المرض
أطفال «الفشل الكلوي».. صغار على دوامة المرض
في حياة استثنائية تقاس بساعات ومواعيد جلسات الغسيل الكلوي، يعاني الأطفال المصابون بالفشل الكلوي بين الألم والجوع والحرمان، بسبب مرض يسرق طفولتهم ويقيد أحلامهم ويضعف نموهم، بينما يكبر الزمن من حولهم ويجبرهم على مواجهة حياة تفوق قدراتهم، وتجعلهم في معركة يومية مع الحياة.
«ياسين» عاش 16 عاماً بفشل في الكليتين
لأكثر من 16 عاماً عاش «ياسين» أياماً لا تخلو من الوجع، فمنذ لحظة ولادته حمل إرثاً ثقيلاً من والدته التي كانت مصابة بفشل كلوي، ليصبح المرض جزءاً من حياته، قبل أن يلحق بوالدته بعد عام ونصف فقط من رحيلها. تحكي أسرة «ياسين» تفاصيل مرضه الذي تم اكتشافه وهو في عمر الـ3 أعوام.
يقول يوسف فرج، شقيقه لـ«الوطن»، إنه وُلد بفشل في الكليتين وخضع للعديد من جلسات الغسيل الكلوي في بدايات حياته، ولكنها لم تُجدِ نفعاً ولم يبقَ أمام الأطباء سوى الزراعة التي ساعدت على تخفيف آلامه ولكن بشكل مؤقت، ولم تتوقف معاناة الطفل المصاب عند هذا الحد، إذ امتدت لحالته النفسية بعد تعرضه للتنمر من زملائه في المدرسة بسبب نحافة جسده وقدرته الحركية المحدودة، الأمر الذي دفعه إلى الإهمال في تناول أدويته والانعزال عن الجميع. وأن شقيقه ياسين «مر بحالة نفسية مش كويسة، لأنه اتعرض للتنمر ووالدته كانت متوفية، فكل ده أثر عليه، وهو لسه طفل».

بعد مرور عدة سنوات من عملية الزراعة، تعثرت حياة «ياسين» من جديد، حيث انتهت مدة صلاحية الكلى البديلة وهو في عمر الـ16 عاماً، ليعود مرة أخرى لنقطة الصفر، ويبدأ رحلة علاج بالإضافة لجلسات الغسيل الكلوي، والبحث عن متبرع آخر ليمنحه كلى تنهي معاناته، إلا أنّ القدر لم يمهله ولفظ أنفاسه الأخيرة عقب شهور قليلة وتحديداً عام 2019. يقول «فرج» بعينين دامعتين: «أخويا ياسين كان حاجة كبيرة أوي بالنسبة لي، ولما بفتكره بتأثر نفسياً وبزعل جداً، مالحقش يعيش حياة طبيعية زي باقي الناس».
«عبدالمسيح»: ابنتي أصيبت بحالة جفاف شديد واحتُجزت في الرعاية 45 يوما
داخل مستشفى أبوالريش بالجيزة، وفوق سرير صغير بغرفة العناية المركزة، تهمهم شوريا عبدالمسيح، بأصوات غير معروفة، تعبر من خلالها عن آلامها، فجسدها النحيل موصول بأسلاك وأجهزة تقيد حركتها وتظل على هذه الحالة، حتى يأتي موعد جلسة الغسيل الكلوي، التي تستمر لساعات طويلة، ينظر إليها والدها ووالدتها بعيون دامعة، ويرفعان أيديهما إلى السماء، يطلبان الشفاء لصغيرتهما، التي سرقها المرض من بين أحضانهما. بدأت قصة «شوريا» بتعرضها لإسهال دموي، فسّره الأطباء على أنه نزلة معوية حادة، حتى ساءت حالتها، وأصيبت بنزيف شديد، نقلت على أثره إلى المستشفى إلا أنها لم تتلقَّ أي علاج مناسب لعدم توصل الأطباء لتشخيص محدد لحالتها.
وبعد مرور 48 ساعة، أصيبت «شوريا» بحالة جفاف شديد، مما أدى إلى حجزها بالرعاية المركزة لمدة 45 يوماً، وخلالها اكتشف الأطباء إصابتها بفشل كلوي، مما أدى إلى خضوعها لجلسات الغسيل بعد التشخيص المبدئي. يحكي والدها عبدالمسيح صبري: «بنتي كانت زي الفل لحد سن 11 شهر، كانت عروسة حلوة خالص».
معاناة مع المرض منذ الطفولة
رحلة «شوريا» مع الفشل الكلوي ليست مجرد حالة طبية، بل صورة حية لمعاناة آلاف الأطفال الذين يُجبرون على مواجهة المرض منذ نعومة أظافرهم، وتتأرجح حياتهم بين جلسات الغسيل، والأدوية الخاصة، والدعاء المستمر بالشفاء، لتظل طفولتهم مرتبطة بالأمل والصبر رغم كل ما يمرون به، فمنذ اللحظة الأولى لتشخيصها، دخلت «شوريا» عالماً صعباً من العلاج المستمر، حيث أصبح الغسيل الكلوي جزءاً من حياتها اليومية، إذ خضعت إلى 4 جلسات، كما تتغذى على حليب «رينا ستارت» الخاص بالأطفال الذين يعانون من هذا المرض إلى جانب علاج «السوربيستريت»، و«الصوديوم بيكارب».
وفي شقة ضيقة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، عاش عبدالرحمن أبوهريرة وحيداً، والذي توفي منذ يومين على كنبة متهالكة، تحت ضوء خافت، مطأطئ الرأس، وظهره محنىّ، وقدماه ممدودتان أمامه، لا يستطع تحريكهما، وتفيض عيناه بالدموع على بشرته الشاحبة، حزيناً على نفسه، فجسده الصغير لا يشبه عمره الحقيقي، وحجمه أقل من الطبيعي، وطوله لا يتناسب مع سنه، وكأن الزمن توقف عند طفولته، ينتظر حتى تدق الساعة التاسعة، ليحمله والده على كرسي متحرك، ويذهب به إلى جلسة الغسيل الكلوي، التي تستمر 4 ساعات، ثم يعود إلى الكنبة مرة أخرى.
وكان آخر حديث لـ«عبدالرحمن» مع «الوطن» أنه يشتهي تناول الطعام كباقي أقرانه الآخرين، إلا أن المرض لم يرحم شهيته، إذ يتبع نظاماً غذائياً قاسياً، حرمه من كل ما يحبه، حتى الماء لا يمكن شربه إلا بكميات ضئيلة، كما أنه لا يستطيع تذوق منتجات الألبان، أو تناول أي طعام أو فاكهة تحتوي على نسبة عالية من البوتاسيوم، حتى لا تنهي حياته: «مرة كلت صابع موز كان هيموّتني، لأن البوتاسيوم عندي عالي، فلازم أخلي بالي كويس جداً، رغم إن نفسي في الحاجة وعايز آكلها، حتى المية ماينفعش أشرب منها براحتي، وممكن أقعد ساعات طويلة عطشان والكوباية قدامي بس ماقدرش أقرّب منها».
وروى «عبدالرحمن» معاناة أخرى تركت ندوباً ظاهرة على جسده، إذ يحرص على ارتداء ملابس ذات أكمام طويلة لإخفاء جرح غائر في ذراعه اليسرى نتيجة انفجار الوصلة الشريانية: «ده عبارة عن خرطوم طبي بلاستيك رفيع، بيتعلق في دراع المريض وملازم ليه طول عمره عشان عمليات الغسيل». وحول سبب تلفها يقول: «كنت متضايق وحالتي النفسية وحشة، فضغط الدم ارتفع والدكاترة قالولي إن الأوعية الدموية بقت ضعيفة وهو ده سبب انفجار الوصلة».
ملف طبي يلخص وضع «عبد الرحمن» الصعب
وفي صباحات لا تشبه صباحات الأطفال، يخرج «عبدالرحمن» من بيته لا يحمل لعبة ولا حقيبة مدرسة كباقي أقرانه، بل يحمل ملفاً طبياً صغيراً يلخص وضعه الصعب، تتكرر تلك الرحلة المؤلمة 3 مرات في الأسبوع، قاصداً مركز غسيل كلوي تابعاً لإحدى الجمعيات الخيرية، يبعد عن منطقته 10 دقائق فقط، حيث يستقل مع والده سيارة الإسعاف التي تنقلهما إلى المركز الطبي ذهاباً وإياباً، يحكي الطفل أن أصعب ما يواجهه حالياً هو الحصول على حقنة «الإريثروبيوتين»، والهدف منها علاج فقر الدم الناتج عن مرض الفشل الكلوي المزمن، إذ كان يتم صرفها على نفقة الدولة، ولكن في الوقت الحالي يصعب الحصول عليها، فلم تعد متوفرة كما كانت، لذا يضطر والد «عبدالرحمن» إلى شرائها على حسابه الشخصي، ويبلغ سعر الحقنة 300 جنيه: «نتايج تحاليل الأنيميا هي اللي بتحدد آخد كام حقنة، يعني أوقات بحتاج حقنة في الأسبوع وساعات تانية لو الأنيميا عالية بآخد 3 حقن».

يشرد «عبدالرحمن» بنظره بعيداً ويقول: «مابقتش أقدر أمشي وأقابل صحابي تاني، كملت لحد 3 ثانوي، وأنا بمتحن حصل لي كسر في الفخذ اليمين، وكسر في الفخذ الشمال، ومن ساعتها ماقدرتش أكمل، ولا أروح المدرسة تاني»، ويتابع بصوت يخنقه البكاء: «المرض سرق مني كل حاجة، كنت بتمنى أخلص دراستي وأبقى ضابط شرطة، بس دلوقتي أنا مابعرفش أتحرّك لوحدي بدون الكرسي»، إذ أدت جلسات الغسيل الكلوي إلى إصابته بهشاشة حادة في العظام، وبطء النمو، ليعيش في جسد طفل نحيل، بالرغم من تجاوزه العقد الثاني من عمره.
يتكئ «عبدالرحمن» بظهره على الكنبة، محاولاً استرجاع ذكرياته الأليمة واللحظات الموجعة التي عاشها خلالها اكتشاف مرضه، إذ ظهرت عليه بعض العلامات بشكل مفاجئ، وهو في عمر الـ11 عاماً، منها انتشار كتل زرقاء صغيرة الحجم في جسده، وقىء مستمر بمجرد تناوله للطعام، بالإضافة إلى عدم قدرته على ممارسة أنشطته اليومية البسيطة، ليصطحبه والده إلى أكثر من طبيب ولم يكتشف أحد معاناته، حتى ذهب إلى مستشفى أم المصريين بمحافظة الجيزة، وطلبت الطبيبة المسئولة عن حالته مجموعة من التحاليل الخاصة بوظائف الكلى: «مجهودي على طول بيقل، وحالتي كانت صعبة جداً، ورُحت لكذا دكتور، فيه اللي يقول نقص في الصفايح، واللي يقول أنيميا ويكتب لي على فيتامينات، ومفيش حد قدر يعرف عندي إيه». لتُظهر نتيجة التحاليل في النهاية ارتفاعاً في وظائف الكلى، وارتفاع نسبة اليوريا في الدم، كما أكدت الأشعة وجود ضمور شديد في الكليتين، وصغر حجمهما عن المعدل الطبيعي، ليتم نقل «عبدالرحمن» إلى مستشفى أبوالريش للأطفال، لتركيب وصلة شريانية، وبدء مرحلة الغسيل الكلوي، التي لا تزال مستمرة حتى اللحظة.
تداعيات الأمراض المزمنة على الأسر محدودة الدخل
ويشكل العبء الاقتصادي أحد أخطر تداعيات الأمراض المزمنة على الأسر محدودة الدخل، حيث يضطر أولياء الأمور إلى التضحية بأعمالهم وممتلكاتهم لتوفير تكاليف العلاج المستمر لأبنائهم. ويحكي «عبدالرحمن» عن معاناة والده للإنفاق على علاجه، إذ كان يعمل سائق «أوبر»، إلا أنه اضطر لبيع سيارته لتغطية مصروفات العلاج والتحاليل، وأصبح يعمل باليومية، بسبب تعرضه للرفض المستمر من قبَل أصحاب الشركات، نتيجة اضطراره لترك الشركة خلال ساعات العمل، ليصطحب ابنه في جلسات الغسيل الكلوي: «والدي دلوقتي شغال أرزقي، وكل لما بيروح أي شركة بيرفدوه، عشان لازم يسيب الشغل كام ساعة، عشان يروح معايا جلسة الغسيل، نفسي والدي يشتغل شغلانة ثابتة».
والد «عبدالرحمن» يبيع سيارته لتغطية نفقات علاج ابنه
ومن غرفة العلاج إلى شاشة الهاتف، وجد «عبدالرحمن» طريقاً مختلفاً لمواجهة مرضه لا يقوم على الشكوى فقط، بل على مشاركة التجربة وتحويل الوجع إلى وعي ورسالة. وذلك من خلال التوعية بالمرض وأسبابه، ونصائح لتعايش المصابين معه، من خلال تصوير فيديوهات قصيرة، سواء في منزله، أو خلال ذهابه إلى جلسات الغسيل الكلوي، ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي: «فيه ناس كتيرة مش حاسة بينا ولا سامعة عن أطفال الفشل الكلوي، فحبيت أوصّل صوتي ليهم أنا وزمايلي، ووالدي هو اللي بيصوّرني وعلى طول معايا في كل مكان».
يُعتبر «عبدالرحمن» مثالاً ضمن قوائم الأطفال المصابين بالمرض الذين لم يتم تحديد عددهم الحقيقي حتى اللحظة، وذلك بحسب ما أشار إليه أرشيف المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك نتيجة الافتقار للمعلومات الدقيقة حول هذه الفئة، إذ تعتمد البيانات المتاحة على سجلات العلاج البديل، ما جعلها غير كافية في تحديد مدى انتشار المرض لدى الأطفال حول العالم.
د. محمد غنيم: المرض ينتج عن أسباب وراثية كزواج الأقارب
يقول الدكتور محمد غنيم، رائد أمراض الكلى في مصر والشرق الأوسط، ومدير أول مركز متخصص في زراعة الكلى بالمنصورة، لـ«الوطن» إن الفشل الكلوي للأطفال قد يكون ناتجاً عن أسباب وراثية، أهمها زواج الأقارب، الذي ينعكس على نمو الطفل، ويؤدي إلى إصابته بقصَر القامة، نتيجة تكوُّن أكياس على الكلى، مما يؤثر على المراحل الحياتية اللاحقة للطفل في حالة عدم توفر العلاج بشكل مناسب، فيما كشفت دراسة بحثية صادرة من مركز لانغون الصحي بجامعة نيويورك، وجامعة غلاسكو، ومعهد القياسات الصحية والتقييم بجامعة واشنطن، عن وفاة 1.5 مليون شخص بسبب أمراض الكلى المزمنة، خلال عام 2023، بزيادة تتجاوز 6% منذ عام 1993، وأعلنت منظمة الصحة العالمية إضافة مرض الكلى المزمن إلى جدول أعمالها، للحد من الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير المعدية، بمقدار الثلث قبل عام 2030.

أجساد نحيلة ووجوه شاحبة، تختبئ حكايات أطفال لم تمنحهم الحياة فرصة النمو الطبيعي، بعدما أصبح الفشل الكلوي رفيقاً دائماً لمعاناتهم اليومية، مؤثراً على عظامهم ودمهم ومستقبل طفولتهم، وهو ما أكده وسيم السيسي، أستاذ جراحة الكلى والمسالك البولية، إذ يقول إن الفشل الكلوي يؤثر بشكل ملحوظ على نمو عظام الأطفال، بسبب توقف إفراز الكلى الهرمون الأساسي، المسئول عن تنشيط نخاع العظام، لتكوين كرات الدم الحمراء، لذا فإن الأطفال الذين يعانون من أمراض مزمنة في الكلى، يظهر عليهم يرقان أو اصفرار شديد بالوجه، نتيجة قلة كرات الدم الحمراء بالجسم، إلى جانب الإصابة بهشاشة في العظام، وتختلف حدتها من طفل لآخر.
وسيم السيسي: الأطفال يظهر عليهم اصفرار شديد بالوجه نتيجة قلة كرات الدم الحمراء
أوضح «السيسي»، خلال حديثه عن أسباب الفشل الكلوي، التي من الممكن أن تكون أسباباً خلقية موجودة لدى الطفل منذ ولادته بسبب تكيس الكليتين بنسبة عالية، أو نتيجة ارتجاع البول في أثناء التبول، أو ضيق في عنق المثانة، أو لوجود جين وراثي يحمل هذا المرض، أما الأسباب الأخرى الشائعة، التي تنتشر بنسبة 90% بين أطفال الفشل الكلوي، هي الجفاف الناتج عن إسهال يستمر ما بين 3 و10 أيام، أو إسهال دموي، يؤدي إلى تكسر كرات الدم الحمراء، وبالتالي حدوث انسداد في قنوات الكلى، وتسمى هذه الحالة التسمم بالبولينا، أو يمكن أن يكون بسبب الجفاف الناتج عن القيء المستمر، والذي يؤثر أيضاً على نسبة الصوديوم في الجسم، مما يؤدي إلى هبوط حاد في الدورة الدموية، وارتفاع في ضغط الدم، وإمساك شديد لدى الطفل، وهي حالات تحتاج إلى رعاية طبية فورية، لتجنب المخاطر الشديدة التي قد تؤدي إلى الوفاة.
يرى أستاذ جراحة الكلى والمسالك البولية، أن أمراض الكلى تشهد تقدماً ملحوظاً وغير مسبوق خلال الفترة الأخيرة، إذ يمكن للأطباء اكتشاف الفشل الكلوي، أو قصور وظائف الكلى، لدى الجنين خلال مراحل تكوينه في الرحم عن طريق السونار، الذي يشير إلى وجود بعض العلامات المهمة، منها ضيق الحالب، وانتفاخ أو تكيس في الكليتين، ولا يعني ذلك أن اكتشاف المرض قبل ولادة الطفل أمر ضروري، كما توجد مراكز عالمية على مستوى عالٍ جداً من التقدم في أمريكا، وتمتلك أجهزة طبية فائقة، التي يمكن من خلالها إخراج الجنين من بطن الأم، وإجراء جراحة له بالكلى، ثم عودته إلى رحم الأم مرة أخرى، حتى موعد ولادته، ولكن في أغلب الأحيان ينتظر الأطباء ولادة الطفل، والبدء في مراحل العلاج قبل تطور المرض.
لا تقتصر معاناة الأطفال المصابين بالفشل الكلوي على الألم الجسدي وحده، بل تمتد إلى عالمهم النفسي الهش، حيث تصبح الأسرة الملاذ الأول والأخير لهم في مواجهة الخوف والعزلة والشعور بالاختلاف عن أقرانهم، حيث يعتمد الأطفال على الوالدين والأشقاء بشكل أساسي في جميع احتياجاتهم، حيث يؤكد الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، تأثير الدعم النفسي على الأطفال الذين يعانون من مرض مزمن، وقد يشعرون بالدونية أو النقص، خاصة إذا كانت الأسرة مهووسة بسياسة المنع حفاظاً على صحته، مما يجعله مختلفاً عن أقرانه، وبالتالي يتولد لديه نوع من الانفصامية عن مجتمعه، ثم مرحلة الانطوائية، التي قد تتحول إلى الاكتئاب، أو أمراض نفسية خطيرة، لذا يجب الانتباه جيداً، والتعامل مع هؤلاء الأطفال، بصورة سوية، مثل عدم تناول أطعمة لا تناسبه، مراعاة لمشاعره وأحاسيسه، حتى ينمو بصورة إيجابية نفسية. لافتاً إلى أنه بشكل عام إذا كان المريض يعاني من أي نوع من الاكتئاب أو التوتر العالي، فإنه يؤثر على استجابة الجسم لعلاج الأمراض العضوية، إلى جانب الإصابة بالفيروسات والأمراض التي يمكن انتقالها بسهولة، لذا يجب العمل على توفير بيئة نفسية جيدة.
عادات يومية تتحول إلى علاج صامت
وفي مطبخ كل بيت طفل مريض بالفشل الكلوي، كل طبق يصبح قراراً طبياً، وكل ثمرة فاكهة قد تكون فرقاً بين استقرار الحالة أو دخول المستشفى، ومن هنا يتحول الطعام من عادة يومية إلى علاج صامت، وهو ما أوضحته مروة شعير، استشاري التغذية العلاجية، بأن الأطعمة منخفضة الصوديوم هي أفضل غذاء لمرضى الفشل الكلوي وخاصة الأطفال، مشيرة إلى أنه يجب أن يكون البروتين من اللحوم البيضاء، مثل شرائح الأسماك الصغيرة، والدواجن، أما الخضار فيفضل الكوسة، الفاصوليا الخضراء، الفلفل الأخضر، والخضراوات الورقية، ويعد التفاح والكمثرى والجوافة، أفضل أنواع الفواكه، مشددة على أنه يمنع تماماً تناول الأغذية التي تحتوي على البوتاسيوم، خاصة الموز، التمر، المشمش، والعدس، أما السوائل فتكون محددة جداً على أساس عدد مرات الغسيل الكلوي.