نهايات النصف الأول.. وفن «التشطيب»!
في الدراما التليفزيونية عموماً، والرمضانية بشكل خاص، تحتل الحلقات الأولى والأخيرة أهمية قصوى، ففي ظل منافسة عدد كبير من الأعمال يعتمد نجاح المسلسل بشكل كبير على قوة الحلقة الأولى، التي يمكن أن تجذب المشاهد لمواصلة الفرجة، أو ينتقل بالريموت إلى عمل آخر، وكم من أعمال انفض من حولها الجمهور بسبب حلقة أولى مملة.
وبينما يهتم صناع المسلسلات لدينا بالحلقات الأولى أيما اهتمام، تجدهم لا يعطون الحلقات الأخيرة اهتماماً مماثلاً، بالرغم من أن ما يبقى في الذاكرة بعد نهاية أي مسلسل هو الفصل الأخير منه، الذي يفترض أن تتصاعد فيه الأحداث وتتفاقم الصراعات قبل أن تنحل بعنفٍ أو في حب وسلام، تاركة على المشاهدين الأثر النهائي الذي يفترض ألا ينسى.
للأسف لا تعامل الحلقات الأخيرة في معظم المسلسلات بما تستحق من وقت واهتمام، لأسباب كثيرة، منها، ربما أن كثيراً من هذه الأعمال يكتب ويصور على الهواء، أو، ربما، بسبب عيوب «التشطيب» المعتادة التي تعاني منها الصناعة و«الصنايعية»، حيث تأتى اللمسات الأخيرة في الشكل والتغليف على مستوى يقلل من قيمة المنتج. وأتذكر أننى شاهدت فيلماً وثائقياً عن سيارة «رمسيس» العظيمة التي كانت واحدة من مفاخر الصناعة المصرية، لولا «التفنيش» الردئ لجسم السيارة الذي كان يفتقد الانسيابية والشكل الجميل.
على أي حال، ومن خلال نهايات مسلسلات النصف الأول من الموسم الحالى، هذه جولة سريعة على الحلقات الأخيرة لنرى النتيجة:
أفضل حلقة أخيرة، في رأيي، هي نهاية «عين سحرية» التي جاءت ممتلئة بالأحداث والمفاجآت، وحتى غير تقليدية، حيث تركت الباب مفتوحاً نحو السؤال الفلسفي والاجتماعي الأعمق: هل القانون هو العدالة؟ وهل يحيا الإنسان بالقانون فقط أم يسعى للعدالة حتى لو اقتضت مخالفة القانون؟ سؤال يظل عالقاً في ذهن المشاهد بعد أن ينتهي المسلسل.
على العكس أفسدت الحلقة الأخيرة من «سوا سوا» العمل المبهر للمخرج ومدير التصوير والممثلين الممتازين الذين شاركوا فيه، وقد كشفت بخوائها واضطرابها كل عيوب السيناريو الذي كان يحتاج إلى تطوير ومراجعة وإعادة كتابة حتى تتبلور حسناته وعالمه شبه الغرائبي المبتكر.
من النهايات التي أثارت ردود فعل متناقضة الحلقة الأخيرة من «كان يا ما كان». تراوحت ردود الفعل بين الإعجاب بتجلي فكرة أن صراعات الأزواج يدفع ثمنها الأبناء، وبين الغضب من النهاية المسروقة بوضوح من فيلم «انفصال» للمخرج الإيراني أصغر فارهادي، الصادر في 2011، والحاصل على الأوسكار والجولدن جلوب والبافتا وسيزار والدب الذهبي من مهرجان برلين وعشرات الجوائز الأخرى، ويعد من أفضل عشرة أفلام في ربع القرن الأخير، ويعرفه كل محبي السينما في العالم، ولا أعلم لماذا قامت مؤلفة «كان يا ما كان» باقتباس نهاية معروفة إلى هذا الحد، بالرغم من أن لديها عشرات الحلول الأخرى لتقول الشىء نفسه. وفي الحقيقة النهاية في «انفصال» مفاجئة وجاءت بعد خطوط متشابكة كثيرة، وممتلئة بظلال المعاني الاجتماعية والسياسية، بينما في «كان يا ما كان» الموقف واضح منذ الحلقة الأولى!
من الحلقات الأخيرة الملفتة أيضاً نهاية مسلسل «مناعة»، التي ختمت بفقرة وثائقية جميلة، وإن كانت غير مشبعة بشكلٍ كافٍ، عن القصة الحقيقية التي اقتبس منها المسلسل، ولكن الطريف أن رؤية «الست نبوية» الحقيقية واللقطات الوثائقية لحي الباطنية والناس في ذلك الزمن، والاستماع إلى اللواء الكبير الذي أوقع بنبوية، وهو يروي الظروف التي صنعت أسطورتها، كل ذلك يكشف مدى التصنع والسطحية اللذين صنع بهما المسلسل.