نرجس ووصمة العقم
من أعاجيب مجتمعنا، وعجائب وغرائب عاداتنا وتقاليدنا، أن عدم القدرة على الإنجاب في مصر يعتبر عند الكثيرين عاراً وخطيئة، سواء في المرأة أو في الرجل، ولكنه بالطبع مثل أشياء كثيرة في حياتنا عند المرأة جريمة أكبر، من الممكن أن تغفر أسرة الزوجة عدم قدرة الرجل على الإنجاب، لكن أسرة الزوج فى 99% من الحالات لا تغفر للزوجة، ويظل عقمها وصمة تلازمها طيلة حياتها، والدراما الرمضانية لهذا العام لم تغفل تلك المشكلة، وقدمت «حكاية نرجس»، المسلسل الذى شد الجمهور منذ الحلقة الأولى، وتقبل الناس المبرر الدرامى لكل الأكاذيب والجرائم التى حدثت وستحدث في الحلقات القادمة، نتيجة أنها بالفعل واقع مصرى وليست أكاذيب، وهذه أهمية الدراما أن تواجه، وتضع أيديها على الجرح النازف، لكى يتم التشخيص والعلاج.
يبدأ المسلسل بإيقاع سريع بدون لت أو عجن أو ثرثرة لا داعى لها، يدخل في صلب الموضوع مباشرة، نرجس عند أمها تنام على الكنبة في الصالة، لأنها طُلقت، وتركت بيت الزوجية، والسبب أنها لم تحمل، لم يورث هذا التصرف غضباً فقط، لكنه حقد وغل، فهى تواجه مجتمعاً لا فرداً، يطلب منها أن تتحمل لأنها مدانة، ويكفى أن هناك من يتولى الصرف عليها، لذلك عليها أن تتحمل أى إهانة، فهى في نظر الجميع مذنبة، لأنها لم تنجب، تبحث عن حبها القديم، وتتزوجه.
وهنا بدأت المؤامرة، أقنعت زوجها بالتزوير أنه السبب في عدم الانجاب، وواجهت نظرات عائلته التى تعريها وتجرسها، بإعلانها أمامهم أنها حامل، وتبدأ رحلتها الإجرامية في خطف الأطفال، بخطط جهنمية، واقع مر، لم تهمله الدراما، المسلسل لم يكتف بالحكاية الساخنة المليئة ببهارات الجذب، لكنه احتفظ بعناصر الدراما الجيدة، من تصوير وإضاءة وإخراج وتمثيل، المخرج هو سامح علاء الذى حصل على السعفة الذهبية لمهرجان كان عن فيلمه القصير «ستاشر».
وأن يتم إفساح المجال له من المتحدة لإخراج مسلسل مهم لأول مرة بهؤلاء النجوم، فهذه مغامرة، لكنها مغامرة جميلة، وهو كان على مستوى المسئولية فيها، الأبطال جميعاً في أفضل حالاتهم، ريهام عبدالغفور وصلت إلى قمة النضج الفنى، ودقة اختيار الدور، وسلاسة الأداء، صارت علامة جودة درامية معتمدة، حمزة العيلى بطل منافس لا مساعد، كل تفاصيل الشخصية لم تفلت منها تفصيلة، حتى تفصيلة العرج، المحب العاشق، المقهور بعجزه الذى صدرته له نرجس، سماح أنور متألقة في هذا الموسم، في كل أدوارها، وليس هذا الدور فقط، وعارفة عبدالرسول ببصمتها المتميزة، وأحمد عزمى عاد بكامل لياقته إلى الشاشة، عمار صبرى كتب سيناريو إيقاعه سريع غير مترهل، أعتقد أن «حكاية نرجس» هو الحصان الرابح للنصف الثانى من رمضان.