حكاية نرجس..الواقعية كما ينبغي!
كثيرة هي الأعمال التي تستلهم الواقع في مسلسلات رمضان. بعضها يشير إلى ذلك في العناوين، وبعضها يكتفي بذكره في وسائل الدعاية والتصريحات الصحفية. ويبدو أن عبارة «مستوحى من قصة حقيقية»، مع إشارة إلى جريمة أو حادث بعينه تابعه الناس على مواقع التواصل ووسائل الاعلام، قد أصبحت مفتاح الكثير من الأعمال لبوابات الانتاج والتوزيع وجذب أنظار المشاهدين.
وأعتقد أن غرام منصة نتفليكس بالأعمال المأخوذة عن وقائع حقيقية وصلت عدواه إلى صناع الدراما العرب. وعلى أية حال ليس هذا شيئاً سيئاً، أو جيداً، في حد ذاته. اقتباس الواقع منهج رائع ومطلوب، ولكن الأهم دائماً وأبداً هو ما تفعله بهذا «الواقع» درامياً وفنياً، وهل تعالجه باسلوب «واقعي» وتلتزم بالوقائع، أم باسلوب لا يشكل فيه الواقع سوى نقطة انطلاق للخيال. والاختيار يعتمد غالباً على نوع المادة الواقعية التي تستلهمها، وعلى رؤية صناع العمل وما يرغبون في قوله، أو تخيله، عن هذا الواقع.
وعلى سبيل المثال: لماذا قرر صناع مسلسل «إفراج» أن يتعاملوا مع حكاية رجل مختل نفسيا قام بقتل أسرته على أنه الكونت دي مونت كريستو، الذي يسجن ظلماً، ويعود بعد 15 عاماً للبحث عن المجرمين الحقيقيين!
ما قيمة عبارة مستلهم من واقعة حقيقية هنا، إذا كان العمل كله ينتمي لنوعية الأكشن والمطاردات وميلودراما الأخيار في مواجهة الأشرار؟ الحقيقة أن العبارة ليس لها محل من الإعراب، وظلمت العمل والواقع معاً!
عمل آخر كان مبشراً بإشارته إلى الواقع هو «مناعة» الذي يدور حول واحدة من أساطين تجارة المخدرات في الثمانينيات، وقبل أن تقضي وزارة الداخلية، في عهد المغفور له الوزير أحمد رشدي، على الباطنية ومعظم أوكار المخدرات الأخرى. عمل كان يبشر بملحمة تاريخية نستمتع فيها بمشاهدة مصر منذ أربعين عاماً، ونتأمل ما وصلنا إليه اليوم، بالإضافة إلى القصة المثيرة للمعلمة «نبوية»، التي بالمناسبة، ليست أول ولا آخر زعيمة عصابة مخدرات في تاريخنا.
ولكن «مناعة» حرمنا من كل ذلك بمسلسل تقليدي ليس للواقع فيه أي أثر، حتى على مستوى التصوير والديكورات والتمثيل، وهو ما يظهر بوضوح حين نقارنه بالجزء الوثائقي الأخير من آخر حلقات المسلسل.
على العكس يقدم مسلسل «حكاية نرجس» الذي بدأ عرضه في النصف الثاني من رمضان اسلوباً فنياً ورؤية واقعيين. ودعك من مقدمة العمل التي تقول بالنص: «حين يتحول الواقع إلى دراما..مستوحى من احداث حقيقية»، فهي عبارة لا تقدم ولا تؤخر، وكلنا نعلم أن الواقع أكثر درامية من الدراما، وأن كل المسلسلات الاجتماعية – على الأقل- مستلهمة من أحداث أو شخصيات واقعية.
ولكن بعيداً عن هذه البديهيات التي يحاول صناع المسلسلات بيعها لنا، فإن الحلقات الأولى من «حكاية نرجس» مبهرة بواقعيتها على مستوى الكتابة واختيار أماكن التصوير وأداء الممثلين المبهر، خاصة ريهام عبد الغفور وأحمد عزمي وعارفة عبد الرسول وسماح أنور وحمزة العيلي (رغم ميله المعتاد للأداء المسرحي).
وكل ذلك يحسب للمخرج الشاب سامح علاء في أول أعماله بعد فيلميه القصيرين «خمستاشر» و»ستاشر»، الذي يبدي تمكناً وثقة كبيرين، وهو مكسب كبير للدراما المصرية، وأعتقد، إذا سار العمل بالدرجة نفسها من الاتقان والواقعية، سيكون واحداً من أفضل مسلسلات الموسم.
ملحوظة وحيدة على هذا العمل الجميل هي استخدام الموسيقى التصويرية، الجيدة في حد ذاتها، ولكن توظيفها زائد عن الحد ودرجتها مرتفعة في بعض المشاهد بما يتنافر مع بقية العناصر الفنية الواقعية. وفي انتظار ما ستسفر عنه باقي الحلقات، لأعود إليه بشكل أكثر تفصيلاً.