«درش».. وإعادة اكتشاف إمكانيات مصطفى شعبان
وسط زحام المنافسة القوية في موسم دراما رمضان 2026، يفرض مسلسل «درش» نفسه كأحد أبرز الأعمال التي نجحت في جذب اهتمام الجمهور، ليس فقط بسبب قصته المشوقة، بل لأنه يقدم النجم مصطفى شعبان بصورة مختلفة تماماً عن الصورة التي اعتاد عليها المشاهدون طوال سنوات، هذه المغامرة الفنية تبدو ثمرة رؤية إنتاجية واضحة من الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي اختارت هذا الموسم أن تعيد تقديم أحد أبرز نجوم الدراما التليفزيونية بشكل أكثر عمقاً وثراءً.
المسلسل الذي يأتى في 30 حلقة، يضم مجموعة كبيرة من النجوم، من بينهم سهر الصايغ، رياض الخولى، سلوى خطاب، جيهان خليل، أحمد فؤاد سليم، محمد على رزق، هاجر الشرنوبى.. وغيرهم، العمل من تأليف محمود حجاج وإخراج أحمد خالد أمين، وهو ثنائى نجح في تقديم قصة تحمل الكثير من التشويق والإنسانية في آن واحد.
مسلسل «درش» الذي تدور أحداثه في إطار شعبى حول عامل عطارة يعود إلى الحارة التي نشأ فيها بعد سنوات من الغياب، ليكتشف أن حياته ليست كما كان يعتقد، وأنه عاش أكثر من حياة مزدوجة، ومن هنا تبدأ خيوط الماضى في الظهور تدريجياً، لتتشابك مع الحاضر في سلسلة من المفاجآت التي تغير مسار الشخصيات.
لكن ما يمنح المسلسل خصوصيته الحقيقية هو الطريقة التي يظهر بها مصطفى شعبان هذه المرة، فالنجم الذي ارتبط اسمه لسنوات بنمط درامى محدد، يخوض في «درش» تجربة مختلفة تعتمد على الأداء الداخلى للشخصية، وعلى إبراز الصراعات النفسية والإنسانية التي يعيشها البطل.
شخصية «درش» ليست بطلاً خارقاً أو شخصية نمطية، بل إنسان بسيط يحمل ماضياً معقداً، ويجد نفسه مضطراً لمواجهة أسرار لم يكن يتوقع أن تطارده.
هذا التحول في الأداء منح مصطفى شعبان مساحة تمثيل واسعة أظهرت جانباً مختلفاً من قدراته، فالمشاهد في المسلسل لا تعتمد فقط على الحركة أو الإثارة، بل على الانفعالات الدقيقة، وتطور الشخصية عبر الأحداث، وهو ما يتطلب أداءً تمثيلياً أكثر عمقاً، وقد بدا واضحاً أن «شعبان» يتعامل مع الشخصية بمنطق مختلف، حيث يترك المجال للتفاصيل الصغيرة كى ترسم ملامح البطل.
الدور أيضاً فرض على مصطفى شعبان تغييراً في الشكل والحضور على الشاشة، فالشخصية تنتمى إلى بيئة شعبية بسيطة، وهو ما انعكس على طريقة الأداء واللغة الجسدية وحتى الإيقاع الهادئ الذي يميز حضوره في كثير من المشاهد، هذا التحول جعل الجمهور يرى مصطفى شعبان بصورة أكثر واقعية، بعيداً عن القوالب التي ارتبطت به في أعمال سابقة.
ويحسب للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية أنها منحت هذا المشروع مساحة إنتاجية كبيرة ساعدت على ظهور العمل بهذا الشكل، فالاهتمام بالتفاصيل البصرية الخاصة بالبيئة الشعبية، واختيار مواقع التصوير، إلى جانب بناء عالم درامى متكامل، كلها عناصر ساهمت في دعم التجربة الفنية للمسلسل.
كما لعب الإخراج دوراً مهماً في إبراز التحول الذي يقدمه مصطفى شعبان، فالمخرج أحمد خالد أمين اعتمد على أسلوب بصرى يركز على تعبيرات الممثلين، ويمنح المشاهد فرصة للتفاعل مع الحالة النفسية للشخصيات، وقد انعكس ذلك بشكل واضح على أداء شعبان، حيث ظهرت الشخصية أكثر قرباً من الجمهور وأكثر تعقيداً في الوقت نفسه.
ولا يقتصر تميز «درش» على بطله فقط، فالمسلسل يضم مجموعة من الممثلين الذين يقدمون أدواراً مؤثرة في مسار الأحداث، رياض الخولى يقدم شخصية قوية تضيف بعداً درامياً مهماً، بينما تمنح سلوى خطاب العمل ثقلاً تمثيلياً واضحاً، في حين تقدم سهر الصايغ دوراً يحمل الكثير من الصراعات العاطفية والإنسانية.
هذه التركيبة من الشخصيات صنعت شبكة درامية متماسكة، ساهمت في خلق حالة من التشويق المستمر، خاصة مع اعتماد القصة على كشف أسرار الماضى تدريجياً، ومع كل حلقة تتكشف طبقات جديدة من الحكاية، ما يجعل المشاهد أكثر ارتباطاً بتطورات الأحداث.
إذاً.. يمكن القول إن مسلسل «درش» يمثل محطة مختلفة في مسيرة مصطفى شعبان، ومحاولة ناجحة لكسر القالب التقليدى الذي ارتبط باسمه لسنوات، فالمسلسل لا يقدمه كنجم يعتمد فقط على حضوره الجماهيرى، بل كممثل قادر على تقديم شخصية مركبة مليئة بالتناقضات الإنسانية.
ومع هذا التغيير في الشكل والأداء، فإن مصطفى شعبان يخوض واحداً من أكثر أدواره نضجاً على الشاشة، في تجربة تؤكد أن إعادة اكتشاف النجوم قد تكون أحياناً مفتاحاً لتجديد الدراما نفسها، لذلك لا يبدو غريباً أن يحظى «درش» باهتمام كبير في موسم رمضان، باعتباره عملاً يقدم نجماً معروفاً في صورة مختلفة، ويمنح الجمهور فرصة لرؤية جانب جديد من قدراته الفنية.