أصغر إمامان في تاريخ الأزهر.. «الحسن والحسين» توأم متطابق في الشكل والصوت وحفظ القرآن

كتب: عبد العزيز سلامة

أصغر إمامان في تاريخ الأزهر.. «الحسن والحسين» توأم متطابق في الشكل والصوت وحفظ القرآن

أصغر إمامان في تاريخ الأزهر.. «الحسن والحسين» توأم متطابق في الشكل والصوت وحفظ القرآن

في مشهد مفعم بروحانيات ليالي رمضان داخل رحاب الجامع الأزهر، صدحت أصوات شابة بآيات القرآن الكريم، لتعلن عن ميلاد نجمين جديدين في سماء دولة التلاوة المصرية، التوأم الأزهري الحسن حسام رزق والحسين حسام رزق، لم يتجاوزا السادسة عشرة من العمر، لكنهما وقفا بثبات في محراب الأزهر الشريف يؤمّان جموع المصلين في صلاة التراويح ليلة الثامن عشر من رمضان، في لحظة تاريخية جعلتهما أصغر من تولّى إمامة المصلين في الجامع الأزهر.

وجاءت اللحظة المميزة بتوجيهات الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي يولي عناية خاصة باكتشاف المواهب القرآنية الشابة ورعايته، وقد حضر الصلاة عدد من قيادات الأزهر وكبار علمائه، في مقدمتهم وكيل الأزهر، ورئيس جامعة الأزهر، ورئيس قطاع المعاهد الأزهرية، إلى جانب نخبة من الشخصيات الأزهرية.

روح المدرسة المصرية العريقة في التلاوة

ومع انسياب التلاوة الخاشعة للتوأم الأزهري في أرجاء الجامع العتيق، أنصت المصلون في خشوع واضح، وكأن أصواتهما تعانق قباب الأزهر وتعيد إلى الأذهان روح المدرسة المصرية العريقة في التلاوة، فقد أمَّ الحسن والحسين المصلين برواية إدريس عن خلف العاشر، وقرأ من سورتي المؤمنون والنور في الركعات من الثالثة عشرة حتى العشرين، في أداء اتسم بالإتقان وجمال النبرة وحسن التجويد.

وينتمي التوأم إلى مركز حوش عيسى بمحافظة البحيرة، ويدرسان بالصف الثاني الثانوي الأزهري بمعهد عبد المنعم رياض الأزهري، أتما حفظ القرآن الكريم في سن الثالثة عشرة، ويتقنان عدة قراءات، بينها ابن كثير وورش وعاصم، بعد رحلة من التلقي والدراسة على أيدي شيوخ ومعلمي قطاع المعاهد الأزهرية، إضافة إلى تأهيلهما من خلال مركز الأزهر الشريف للقرآن الكريم والتسجيلات القرآنية.

رحلة طويلة بدأت من بيتٍ تشبّع بحب القرآن الكريم

ولم يكن صعود التوأم الأزهري إلى محراب الجامع الأزهر وليد لحظة عابرة، بل ثمرة رحلة طويلة بدأت من بيتٍ تشبّع بحب القرآن الكريم، فيقول حسام رزق، والد الحسن والحسين، إنّ نشأة ولديه كانت داخل أسرة قرآنية بامتياز، فجدهما الحاج رزق بركات حرص منذ سنوات على أن يجعل القرآن محور حياة العائلة.

وأضاف الأب لـ«لوطن» أنّ أبناء الحاج رزق الستة جميعهم من حفظة القرآن الكريم، كما أتمت زوجاتهم الحفظ على أيدي أزواجهن، في تجربة عائلية فريدة جعلت القرآن الكريم جزءًا من الحياة اليومية للأسرة، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تبرع الجد بمكان في قريته لتحويله إلى دار لتحفيظ القرآن الكريم، لتصبح منارة لتعليم كتاب الله لأبناء القرية، وهناك نشأ التوأم بين حلقات التلاوة ودوائر الحفظ منذ سنواتهما الأولى.

أكد الأب أنّ الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في ما وصل إليه التوأم يعود إلى هذه البيئة القرآنية، ثم إلى رعاية الأزهر الشريف ومشايخه، مشيرًا إلى أنّ اكتشاف موهبتهما جاء قبل نحو عام تقريبًا، عندما زار عدد من قيادات شؤون القرآن الكريم بالأزهر دار التحفيظ التابعة للأسرة، وخلال إحدى الفعاليات التي أقيمت هناك، افتتح الحسن والحسين الحفل بتلاوة آيات من القرآن الكريم وإنشاد عدد من الابتهالات، فلفتا الأنظار بسرعة إلى موهبتهما الصوتية وتمكنهما في التلاوة.

ويشير حسام إلى أنّ الطريق بعد ذلك لم يكن سهلا، حيث خضع التوأم لفترة إعداد وتدريب داخل منظومة الأزهر الشريف استمرت قرابة عام كامل، على أيدي عدد من المشايخ والمتخصصين في علوم التلاوة والقراءات، قبل أن يصلا إلى هذه اللحظة التي وقفا فيها في محراب الجامع الأزهر.

أما عن رحلة حفظ القرآن، فيوضح أنّ الحسن والحسين أتما حفظ كتاب الله كاملًا في سن الثالثة عشرة، أي قبل نحو 3 سنوات، واستكملا بعدها دراسة القراءات القرآنية، حتى أصبحا اليوم يتقنان عدة روايات وقراءات.

ويحكي الأب بابتسامة أنّ التوأم يكادان يكونان نسخة واحدة في كل شيء؛ فهما يدرسان في المعهد الأزهري نفسه، وفي الصف ذاته، ويتشابهان في الشكل والصوت والأداء، وحتى في التحصيل الدراسي الذي غالبًا ما يكون متقاربًا للغاية بينهما.

وعن لحظة الوقوف لإمامة المصلين في الجامع الأزهر، يصف الحسين للوطن التجربة بأنّها كانت مزيجًا من الرهبة والفرح في آن واحد، قائلا: «الوقوف لأول مرة لإمامة المصلين في هذا المكان العظيم يبعث شعورًا خاصًا، فالموقف يحمل رهبة كبيرة، لكن التوفيق من الله كان حاضرًا، وساعدنا على أداء التلاوة بثبات».

ويضيف أنّ الإمامة في الجامع الأزهر تختلف كثيرًا عن أي مسجد آخر، لما يحمله المكان من مكانة علمية وروحية كبيرة، ولوجود كبار علماء الأزهر بين صفوف المصلين، ما دفعه إلى مضاعفة الاستعداد والمراجعة قبل الصلاة حتى يؤدي التلاوة على الوجه اللائق.

أما الحسن، فيصف لـ«الوطن» تلك اللحظة بأنّها مسؤولية كبيرة قبل أن تكون تجربة شخصية، موضحًا أنّ التوتر كان حاضرًا في البداية، لكنه تلاشى بمجرد الوقوف أمام القبلة وبدء التلاوة، ويقول: «عندما تبدأ قراءة الآيات وتستحضر معانيها، يزول التوتر ويصبح التركيز كله في أداء كلام الله كما ينبغي».

ويتفق التوأم في طموح واحد كما سارا على درب واحد منذ نشأتهما، وهو طموحهما في مواصلة طريق العلم القرآني داخل الأزهر الشريف، حيث يأملان في الالتحاق بكلية القرآن الكريم والتخصص في علومه، مؤكدين أنّ حلمهما الأكبر هو أن يكونا من خدام كتاب الله.

وفي رسالة وجهها الحسن إلى الشباب، دعا إلى عدم هجر القرآن الكريم، قائلا: «اجعل لنفسك وردًا يوميًا من القرآن، فقراءة كتاب الله تبقي الصلة دائمة بين العبد وربه».

ورغم تشابه مسيرتهما في أغلب التفاصيل، يبتسم الحسن وهو يشير إلى أنّ شقيقه الحسين يتفوق عليه أحيانًا بفارق بسيط في درجات الدراسة، لا يتجاوز بضع درجات، وهو ما يعكس حالة التنافس الهادئ بين التوأمين اللذين يسيران في الطريق ذاته، نحو خدمة القرآن الكريم.

وتأتي هذه التجربة في إطار اهتمام الأزهر الشريف برعاية النابغين من حفظة القرآن الكريم، تنفيذًا لتوجيهات الإمام الأكبر باختيار أصحاب الأصوات الندية من مختلف محافظات الجمهورية، لإعداد جيل جديد من القراء والأئمة القادرين على تمثيل مصر في المحافل والمسابقات الدولية، وإثراء الساحة القرآنية بتلاوات متميزة تعكس أصالة المدرسة المصرية في التلاوة.