فنجان قهوة في طهران

محمد صلاح

محمد صلاح

كاتب صحفي

كوب من القهوة في تقرير مصوّر لمراسل الـCNN من قلب طهران، كان كافياً لاندلاع أزمة بين الإدارة الأمريكية وإدارة القناة الإخبارية الأشهر في الولايات المتحدة والعالم، لتستدعى هذه الأزمة تاريخاً طويلاً من الأزمات ما بين الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية وبين الصحافة إبان الحروب التي خاضها الطرفان مؤخراً، فالأمر لا يبدو أنه خلاف عابر مع وسائل الإعلام، بل يعكس رؤية سياسية أعمق لطبيعة الصراع في العصر الحديث، فالحروب لم تعد تُخاض فقط في الميدان العسكرى، بل أصبحت أيضاً معارك على مستوى السردية والمعلومات، حيث يمكن لتقرير صحفي أو صورة ميدانية أن تؤثر في الرأى العام العالمى بقدر ما تؤثر العمليات العسكرية نفسها.

اعتبرت إدارة ترامب ذاك التقرير نموذجاً لما تسميه «الإعلام المعادى»، والذي يقوض الرسالة السياسية والعسكرية الأمريكية والإسرائيلية، لاسيما أن التقرير قد أكد استمرارية الحياة بطبيعتها داخل العاصمة الإيرانية رغم القصف المستمر، ما يتعارض مع الرواية الرسمية الأمريكية، وجعل إدارة ترامب تنظر له كتهديد خطير سواء لتحركاتها العسكرية أو حظوظها الحزبية في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، والتي يعتبرها البعض مؤشراً مهماً على الفائز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
يتبنى ترامب منذ فترته الرئاسية الأولى مقاربة ترى أن الإعلام التقليدى لم يعد شريكاً في نقل الحقيقة، وأصبح عنصراً معطلاً للأهداف الاستراتيجية للدولة، لذلك يفضل ترامب الاعتماد على منصات التواصل المباشر والخطاب السياسى المباشر للجمهور، بدلاً من ترك المجال لتغطيات صحفية قد تعيد صياغة الحدث أو تضعه في إطار نقدى، هذه المقاربة تعكس تحوّلاً في العلاقة بين السلطة والإعلام، حيث تسعى إدارة ترامب إلى احتكار السرد والسيطرة على تدفق المعلومات للجماهير.
أما في الحالة الإسرائيلية، فما يفعله نتنياهو مع الإعلام يفوق كثيراً ما يفعله ترامب، كانت الحرب الأخيرة في قطاع غزة أشبه بمذبحة صريحة للصحفيين العاملين بالقطاع، وقد صنفتها الأمم المتحدة الحرب الأكثر فتكاً بالصحفيين منذ الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن رفض نتنياهو السماح لوسائل الإعلام الدولية بالدخول لقطاع غزة، ما يعكس رغبة منه في احتكار الحقائق والمعلومات بقصد إخفاء الجرائم التي يقوم بها جيشه تجاه المدنيين، فضلاً عن تردى الأوضاع الإنسانية وانهيار كافة المنظومات الصحية والعدد الضخم من الضحايا والمصابين، وترى الحكومة الإسرائيلية أن التغطية الصحفية غير المنضبطة قد تخلق ضغطاً دولياً يغل يديها ويقيّد حريتها في الحركة العسكرية.
من هنا، يصبح الهدف المشترك للجانبين هو تقليص دور الصحافة أو التشكيك في مصداقيتها كجزء من استراتيجية أوسع لإدارة الحرب إعلامياً، فطبيعة الحروب الحديثة نفسها تلعب دوراً في هذا التوجه، فالصراعات الحالية، سواء في الشرق الأوسط أو غيره، تتميز بكونها «حروب هجين» تشمل أبعاداً إعلامية وسيبرانية ونفسية، وكلما زادت الصور والتقارير القادمة من الميدان، زادت احتمالات تشكل سرديات بديلة للرواية الرسمية، وهذه السرديات قد تؤثر على مواقف الحكومات الغربية أو الرأى العام العالمى، وهو ما يمثل خطراً سياسياً لا يقل عن المخاطر العسكرية.
إن رفض ترامب ونتنياهو للتغطية الإعلامية الواسعة لا ينبع فقط من خلافات قديمة مع مؤسسات إعلامية، بل من قناعة أعمق بأن التحكم في تدفق المعلومات أصبح جزءاً أساسياً من إدارة الصراع، والتحكم في السردية التي أصبحت سلاحاً مهماً ومؤثراً مثل الصواريخ والطائرات، ليصبح الإعلام الحر أولى ضحايا التحركات العسكرية الجديدة، وتدفن حرية الصحافة مع مئات الآلاف من ضحايا هذه الحروب التي لا يعرف أحد لماذا بدأت، ولا متى تنتهى!