حرب الكلب والبرغوث
يتساءل الناس: لماذا لا تنهزم إيران؟ أو لماذا يمكنها المقاومة ولا تهزمها أمريكا؟ لقد عرف التاريخ الكثير مثل هذا النوع من الحروب، حيث تقف قوة ضخمة عاجزة عن تحقيق فوز سريع وساحق في مواجهة قوة أصغر منها.
عندما كانت إسبانيا سيدة البحار، قبل إنجلترا وفرنسا، سيرت أسطولا ضخما يضم عشرات وربما مئات من السفن العملاقة تجاه السواحل البريطانية لسحق بريطانيا التي لم تكن وقتها قد صارت «عظمى». تهادت السفن العملاقة تجاه الجزر البريطانية، وإذا بها تفاجأ بمقاومة شرسة من جانب الإنجليز. استخدم الإنجليز تكتيك «الكلب والبرغوث» أي أنهم حاربوا بمراكب صغيرة أو حتى قوارب.
كانت السفن الإسبانية عملاقة لدرجة أن حركتها ومناورتها لم تكن سهلة أبدا، كانت مثل الديناصورات التي انقرضا لهذا السبب. بينما كانت المراكب والقوارب الإنجليزية تتحرك بمرونة وسرعة عالية، وتلتف حول العماليق الإسبان ويفجرونها من أسفل بمتفجرات بسيطة. النتيجة أن تلك السفن كانت تغرقها المياه على الفور. انتصر الإنجليز وانهزم الإسبان في واحدة من أشهر معارك القرون الوسطى، معركة أرمادا التي صارت تكيتيكا حربيا يدرس في الأكاديميات العسكرية، وصار يطلق عليه بعد حرب العصابات.
عبارة «حرب الكلب والبرغوث» استعارة سياسية أو استراتيجية تستخدم لوصف نوع من الحروب غير المتكافئة، طرف صغير أو ضعيف قوة كبيرة ومهيمنة، لكنه يستطيع بإجراءات محدودة أو مفاجئة أن يسبب أضرارا ملموسة للطرف القوي، حتى لو كانت محدودة. الكلب يمثل القوة الكبير، بينما البرغوث يمثل الطرف الصغير أو الضعيف. الأصل التاريخي للعبارة كما ذكرت يعود إلى استراتيجيات الحروب غير التقليدية أو المقاومة الشعبية ضد قوى أكبر، وغالبا ما يستخدمها المحللون العسكريون والسياسيون لتوصيف النزاعات غير المتكافئة أو الحروب بالوكالة، أو حتى التهديدات الصغيرة التي تسبب أضرارا كبيرة لقوى عظمى.
يمكننا أن نطبق هذا المصطلح على الحرب بين إيران من ناحية وكل من أمريكا وإسرائيل من ناحية أخرى. فامريكا باعتبارها قوة عظمى ذات موارد اقتصادية وعسكرية هائلة، تمثل «الكلب» في هذا السياق. وإيران لقوتها الإقليمية المحدودة مقارنة بأمريكا تمثل «البرغوث» الذي لا يسعى إلى الانتصار المباشر في مواجهة مفتوحة، بل يعتمد على أدوات غير تقليدية، مثل دعم حلفائها في المنطقة، العمليات السيبرانية، وتهديد المصالح الأمريكية بشكل مزعج. تكبيد أمريكا خسائر لوجستية في المنطقة، إلخ في هذا النوع من الصراع، البرغوث لا يمكنه الانتصار على الكلب، لكن بإمكانه إزعاجه بشدة. فهو يفرض تكلفة مستمرة على القوة الكبرى، سواء عبر استنزاف الموارد، إشغالها في مناطق متعددة، أو خلق ضغوط سياسية ودبلوماسية. هذا الواقع يوضح أن استراتيجية «البرغوث» تعتمد على الصبر، المرونة، والمفاجأة، وليس على المواجهة الشاملة.
من منظور التحليل الاستراتيجي، هذه الحرب تعكس حقيقة أن الصراع بين القوى الكبرى والصغرى ليس بالضرورة أن يكون محكوما بالانتصار العسكري الواضح، بل بالقدرة على إدارة االحرب، إحداث الإزعاج، وإرغام الطرف الأقوى على إعادة حساباته. هنا يكمن جوهر عبارة «حرب الكلب والبرغوث» القوة الأكبر قد تبدو مسيطرة بلا منازع، لكن الطرف الأصغر، بذكاء وتخطيط، قادر على جعل حربها أكثر تعقيدا من المتوقع.
تطبيق هذه العبارة على الصراع الأمريكي-الإيراني يوضح أن السياسة الدولية ليست دائما مواجهات مفتوحة، بل صراع مستمر على النفوذ والقدرة على التأثير، حيث حتى أصغر اللاعبين يمكن أن يتركوا أثرا ملموسا على الكبار، رغم عدم قدرتهم على الانتصار المباشر.
من اللافت أن أمريكا ربما تكون من أكثر الدول التي واجهت حروب الرغوث، حرب فيتنام الشمالية وجيش التحرير الوطني الفيتنامي، كانت أمريكا قوة عسكرية هائلة مزودة بأسلحة متطورة وموارد لوجستية هائلة، لكن فيتنام الشمالية وحلفاؤها مثل الجيش الوطني التحرري كانوا «البرغوث»، استخدموا حرب العصابات، الكمائن، والدعم الشعبي. والنتيجة، رغم تفوق أمريكا العسكري، لم تحقق الانتصار الكامل. البرغوث لم يهزم الكلب مباشرة، لكنه اضطره لسحب قواته في نهاية المطاف، وتوحدت فيتنام بشمالها وجنوبها، وكانت في النهاية حربا مذلة لأمريكا بعدما خرجت صفر اليدين.
كذلك كانت الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي 1979–1989، الاتحاد السوفييتي يمثل «الكلب» جيش قوي مزود بأسلحة متطورة وطائرات هجومية ومدفعية ثقيلة. الأفغان هم «البرغوث» اعتمدوا على التضاريس الجبلية، الدعم الشعبي، والهجمات المفاجئة. والنتيجة «الكلب» لم يهزم، لكنه تكبد خسائر هائلة وتكلفة اقتصادية وسياسية كبيرة، مما أدى في النهاية إلى الانسحاب السوفيتي.
قد يسيطر الكلب على الساحة العسكرية، لكن البرغوث يسبب إزعاجا مستمرا ويفرض على القوة الكبرى تكاليف سياسية وأمنية كبيرة.