دراما تبديد العفش!

عصام زكريا

عصام زكريا

كاتب صحفي

لا يكاد يخلو مسلسل اجتماعي من أول رمضان، بداية بـ«كان يا ما كان» وحتى «أب ولكن»، مروراً بـ«المتر سمير» وغيرها، من مشهد قيام أحد الزوجين المنفصلين، أو كليهما، بسرقة «عفش» منزل الزوجية، لرفع دعوى قضائية يطلق عليها «تبديد منقولات»، وهي دعوى تستند للمادة 341 من قانون الأحوال الشخصية، والتي ترفعها الزوجات ويتهم فيها الأزواج بالاستيلاء على، أو تبديد، أو إتلاف، أو إخفاء، منقولات الزوجة الواردة بالقائمة. وهي واحدة من عشرات المواد التي حفظها جمهور المسلسلات عن ظهر قلب، حتى يمكن القول إن الدراما المصرية، خاصة هذا العام، تبذل جهوداً هائلة ضمن معركة الوعي بتثقيف المواطنين بحقوقهم الزوجية وأفضل الطرق القانونية التي يخرجون بها غانمين من زواج منتهٍ.

وكما يبين مسلسل «المتر سمير» الذي يلعب فيه كريم محمود عبدالعزيز دور محامي أحوال شخصية متخصص في هذا النوع من القضايا، وكذلك مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يلعب فيه كل من محمد عبدالعظيم ودنيا ماهر شخصيتي محاميين، يبدو أن الأحوال الشخصية باتت المجال الأكثر نشاطاً وربحاً بين فئات المحامين.

ووفقاً لهذه المسلسلات يبدو أن 90% من الأزواج المصريين يعانون من مشاكل قضائية بسبب تبديد القائمة والنفقة وحضانة الأطفال، وكان الله في عون القضاة الذين يتعين عليهم الفصل في عشرات، وربما مئات الدعاوى يومياً.

وقد فاض الكيل بأحدهم، وهو الفنان أحمد فهيم، في مسلسل «بابا وماما» فراح يوبخ الزوجين أحمد داود وميرنا جميل على «لعب العيال» الذي يفعلانه، غير مدركين لأثره المدمر على أطفالهما، وطالبهما بحل مشاكلهما بالود والتراضي خارج قاعات المحكمة.. ولكن هيهات، فالحموات الفاتنات يطللن برؤوسهن في كل مسلسل ليشعلن النار في أكثر البيوت استقراراً.


لن أقع في فخ لوم المسلسلات، ودعونا نعترف بأن الظاهرة الدرامية تعكس ظاهرة اجتماعية يتكلم عنها الجميع، حتى لو كانت الإحصائيات الرسمية شحيحة بشأن نسب الطلاق وعدد ونوعيات الدعاوى المرفوعة أمام محكمة الأسرة. والمشكلة، إذا أردنا أن نخوض حديثاً عقلانياً لا مجرد خطابات ومواعظ فارغة، ليست في أن الناس ينفصلون، ولكن في طريقة الانفصال التي يغلب عليها العنف وقلة القيمة.

والمشكلة أيضاً، شئنا أم أبينا، تكمن في قوانين الأحوال الشخصية الممتلئة بالثغرات والعبثيات، والتي تتهم من قبل النساء والرجال بالانحياز لأحد الجنسين. وقد كتبت في مقال الأمس عن الانقلاب الذي يحاول الرجال القيام به ضد بعض القوانين التي حاولت إنصاف المطلقات.


القانون في كل مكان غابة لا ينجو فيها سوى الأكثر قدرة على التلاعب، أو بالأحرى من يستطيع توظيف أكثر المحامين قدرة على التلاعب بالقانون، ولكن القوانين المتضاربة والمضطربة لدينا تجعل هذه الغابة جحيماً، لا تعرض المسلسلات سوى جزء منه. ويزيد الطين بلة تربية، أو بالأحرى، قلة تربية، تجعل الناس أقل تحضراً وأكثر عنفاً واستعداداً للكذب وأكل المال الحرام. وكل هذا تعكس بعضه المسلسلات، والناس منزعجون ويقولون لا الواقع ليس بهذا السوء، ولكن الحقيقة أن الواقع أكثر سوءاً بكثير من المسلسلات.


ولا مجال لفض الاشتباك بين الرأيين سوى المعلومات والإحصائيات والتحقيقات الصحفية التي يمكن أن تخبرنا بصراحة عن معدلات الجريمة وانتشار المخدرات وقضايا الأحوال الشخصية. ولا مجال لفض الاشتباك بين الأزواج المتصارعين سوى غربلة كل هذه القوانين واستبدالها بقانون واضح يعتبر الزواج شراكة مبنية على عقود واضحة يتفق عليها الطرفان.


وبدلاً من لوم المسلسلات على كم العنف والكآبة والمشاكل العائلية، ليتنا ننتفض بالمثل لحل هذه المشكلات في الواقع.