حكاية نرجس.. تأليف وإخراج «مظبوط بالشعرة»

لا يمكن الحديث عن التميز الذى يحققه مسلسل «حكاية نرجس»، دون التوقف مطولاً أمام العناصر التى صنعت هذا النجاح. صحيح أن الأداء التمثيلي اللافت لنجوم العمل، وفى مقدمتهم ريهام عبدالغفور وحمزة العيلى، يمنح المسلسل بريقاً واضحاً، لكن الحقيقة أن جمال هذا العمل يتجاوز حدود الأداء التمثيلي وحده، ليصل إلى جذور أكثر عمقاً في الكتابة والإخراج والرؤية الإنتاجية التى احتضنت هذا المشروع.


أول ما يلفت الانتباه في «حكاية نرجس» هو أن العمل مكتوب بعناية شديدة، فنحن أمام سيناريو يعرف جيداً ماذا يريد أن يقول، وكيف يقوله، ومتى يترك للمشاهد مساحة للتأمل. الورق كما يقول أهل الصناعة «مكتوب صح»، وهذه ليست عبارة إنشائية بقدر ما هى وصف دقيق لجهد واضح بذله المؤلف (عمار صبرى) في بناء عالم درامى متماسك، يعتمد على شخصيات حقيقية من لحم ودم، لا على مجرد أدوات لتحريك الأحداث.


المؤلف لم يتعامل مع الشخصيات بوصفها أدواراً رئيسية وثانوية، بل بوصفها عناصر حية داخل نسيج درامى واحد، لذلك نجد أن كل شخصية -مهما كانت مساحة ظهورها - تمتلك أبعاداً واضحة ودوافع مفهومة وخلفية درامية تمنحها مصداقية كبيرة، هذه التفاصيل الدقيقة هى التى تمنح العمل عمقه الإنسانى، وتجعل المشاهد يشعر بأنه يتابع حياة حقيقية لا مجرد حكاية مكتوبة.


في «حكاية نرجس» لا توجد شخصية عابرة أو بلا معنى، فكل شخصية لها دور في بناء الدراما، وكل حوار يبدو كأنه جزء من بناء أكبر، وهو ما يعكس وعياً واضحاً من المؤلف بطبيعة الدراما التليفزيونية الحديثة، التى لم تعد تقبل بالحلول السهلة أو الشخصيات المسطحة.


لكن النص الجيد وحده لا يكفى لصناعة عمل استثنائى، فكم من نصوص قوية لم تجد المخرج القادر على تحويلها إلى تجربة بصرية ودرامية مكتملة. وهنا تأتى أهمية الدور الذى لعبه المخرج سامح علاء، الذى تعامل مع النص برؤية واضحة واحترام كامل لتفاصيله، دون أن يفقد بصمته الإخراجية الخاصة.


سامح علاء أدرك منذ البداية أن قوة العمل تكمن في صدقه الإنسانى، ولذلك اختار أن يبتعد عن المبالغات أو الاستعراض الإخراجى غير المبرر، واعتمد على بناء إيقاع هادئ لكنه مشدود، يسمح للشخصيات بأن تتنفس وأن تكشف عن نفسها تدريجياً أمام المشاهد، هذه الحساسية في التعامل مع المادة الدرامية هى ما منح المسلسل طابعه المختلف.


ومن أهم نقاط القوة في إخراج العمل أيضاً الجرأة في اختيار الممثلين، فالمخرج لم يقع في فخ المجاملات الذى يعانيه بعض الأعمال الدرامية، حيث يتم اختيار بعض الأسماء لأسباب بعيدة عن ملاءمتها الحقيقية للشخصية، على العكس، يبدو واضحاً أن كل ممثل في «حكاية نرجس» تم اختياره بعناية شديدة، بما يخدم طبيعة الدور ومتطلبات الحالة الدرامية.


هذه الدقة في الاختيار، انعكست بشكل مباشر على الأداء التمثيلى، فجاءت الشخصيات متماسكة ومقنعة إلى حد بعيد، وحين يمتلك الممثل نصاً جيداً وإخراجاً واعياً، فإنه يصبح قادراً على تقديم أفضل ما لديه، وهو ما نراه بوضوح في أداء ريهام عبدالغفور وحمزة العيلى وباقى فريق العمل.


النتيجة أن المسلسل يبدو كأنه «مضبوط بالشعرة»، كما يقال في لغة النقد الفنى، كل عنصر في مكانه الصحيح من كتابة دقيقة، إخراج واعٍ، أداء تمثيلى صادق، وإيقاع درامى يعرف كيف يجذب المشاهد دون افتعال.


ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور المهم الذى تلعبه الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في دعم مثل هذه الأعمال، فوجود جهة إنتاجية كبرى تؤمن بقيمة الدراما الجيدة، وتمنح صناعها المساحة اللازمة للعمل دون ضغوط تجارية ضيقة، هو عامل أساسى في خروج أعمال مميزة إلى النور.


لقد أثبتت الشركة المتحدة خلال السنوات الأخيرة أنها لا تكتفى فقط بإنتاج أعمال تحقق نسب مشاهدة مرتفعة، بل تسعى أيضاً إلى دعم مشاريع درامية تحمل قيمة فنية وإنسانية حقيقية، ومسلسل «حكاية نرجس» يبدو مثالاً واضحاً على هذا التوجه.


إذن.. يمكن القول إن «حكاية نرجس» ليس مجرد مسلسل ناجح، بل تجربة درامية تؤكد أن الطريق إلى التميز يبدأ دائماً من النص الجيد، ويمر عبر إخراج يمتلك الرؤية والشجاعة، وينتهى بدعم إنتاجى يؤمن بقيمة الفن، وعندما تجتمع هذه العناصر معاً، تكون النتيجة عملاً قادراً على أن يترك أثراً حقيقياً في ذاكرة المشاهد.